ولو كان حادثا لافتقر إلى محدِث, لوجوب افتقارِ كلّ حادثٍ إلى محدِث, كما تقدم في برهان الوجود، وننقل الكلام إلى ذلك المحدِث فيلزم فيه ما لزم الأوّل الذي قبله من الافتقار إلى محدِث وهلمّ جرا. ثم إن كان العدد غير محصور، وكان قبل كل محدِث محدِث لزم التسلسل، وهو محال لما يلزم عليه من الفراغ وعدم النهاية (1) ،
وحوادث لا أوّل لها محال لا يعقل؛ لأنّ معنى قولنا حوادث هو أنّ لها أوّلا، إذ حقيقة الحادث هو المسبوق بعدم فيكون له أول، فإذا قلت لا أول له جاء التناقض وهو محال.
وإن كان العدد محصورا لزم الدور، وهو أيضا مستحيل لما يلزم عليه من تقدم الشيء على نفسه ومن تأخّره على نفسه أيضا:
-أما لزوم تقدّمه على نفسه, فلأن صانعه أثر له، فيجب أن يتقدم على صانعِه لوجوب سَبْقِ المؤثِّر على الأثَر، ولكن هو أيضا أثرٌ لصانعه، فيجب أن يتقدم صانعُه عليه.
-وأما لزوم تأخره على نفسه، فلأنه أثر لصانعِه فيتأخر عنه، وصانعُه أثر له فيتأخر عنه.
والحاصل أنّ الدور يلزم فيه أن يتقدم حصولُ الشيء على حصول نفسه بمرتبتين، وأن يتأخر حصولُه عن حصول نفسه بمرتبتين. انتهى من شرح الكبرى.
[صفة البقاء]
(كذا بقاء) ، أي وممّا هو واجب له تعالى: البقاءُ، وتقدم أنه صفة سلبية، وأن عطفَه على الوجود من عطْف اللازم على الملزوم، وكذا عطفُه على القدم من عطف اللازم على الملزوم لأنّ كل من ثبت قدمه استحال عدمه.
(1) قال الشيخ السنوسي في شرح الكبرى: يلزم على وجود حوادث لا أول لها أن يكون دَخلَ في الوجود وفرَغَ من حركات الأفلاك وأشخاص الحيوان ونحوها على الترتيب واحدًا بعد واحد عَدَدٌ لا نهاية له، والجمع بين الفراغ وعدم النهاية جمع بين متناقضين، فيكون محالا على الضرورة، ويلزم عليه أن يكون وجودُنا ووجود سائر الحوادث الآن محالًا لتوقُّفِه على المحال، وهو فراغ ما لا نهاية له. (عمدة أهل التوفيق والتسديد في شرح عقيدة أهل التوحيد للسنوسي، ص: 37)