فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 140

ومعني المخالَفة للحوادث, نفي الجِرْمِيَّة والعَرَضِيَّة عنه تعالى؛ أي ليس هو تعالى جِرْمًا ولا عَرَضًا (1) قائمًا بالجرم، ولا يوصف تعالى بحركة ولا سكون، ولا بمكان ولا بزمان، ولا جهة من الجهات الست وهي: أمام، وخلف، ويمين، وشمال، وفوق، وتحت. فليس له تعالى جهة، ولا هو كائن في جهة من الجهات.

وينزّه مولانا عن الكيف، وعن الكِبر والصغر، وعن القرب والبعد بالمسافة ـ وأما بالعلم والسمع والبصر فهو { أقرب إليه من حبل الوريد } [ق: 16] ـ لأن جميع ذلك من صفات الحوادث، ومولانا منزه عن مشابهة الحوادث.

قال الإمام الجنيد - رضي الله عنه: التوحيد الأكبر هو قول الصديق:"سبحان من جعل العجز عن إدراكه هو عين معرفته" (2) . وقال تعالى: { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } [الشورى: 11] ، فأفادت هذه الآية الشريفة نَفْيَ المماثلة لشيء عن ذاته وعن صفاته؛ لأنّ أوّلها تنزيه وعَجُزها إثبات.

(1) العَرَضُ في اللغة: عبارة عما يَعْرِضُ ويزول ولا يبقى، ومنه قوله تعالى: { تريدون عَرَضَ الحياة الدنيا والله يريد الآخرة } [الأنفال: 8] ، وأما في اصطلاح علماء العقيدة فهو يدل على ما لا يقوم بذاته، أو المفتقر إلى ذات يقوم بها، وذلك كالألوان والروائح والحركة والسكون إلخ

(2) والمنقول أيضا عن أبي بكر - رضي الله عنه - قوله:"العجزُ عن درْكِ الإدراك إدراكٌ"، والدَّرْكُ: أقصى قعر الشيء كالبحر ونحوه، وعلى هذا يكون المراد بدرك الإدراك: أقصى مراتب الإدراك، وهو إدراكه تعالى بالكُنْه. وقيل في تفسيره: إن عجْزَ العقول عن درْكِ كُنْهِ الواجب تعالى وامتناع حصوله لها، إدراكٌ لها إياهُ تعالى بعنوان تمايُزِه بهذا العنوان عن جميع ما سواه، وهو أن يمتنع إدراكُ كُنْهِهِ، بخلاف ما سواه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت