فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 140

وما شرحنا عليه هو ما شرح عليه ابن الناظم، قال: وهذه النسخة هي التي أصلحها أستاذنا رحمه الله تعالى في المبيضة بيده، وهي أحسن من المتداول بين أيدي الناس. قال: وما منعني أن أشرح عليها إلا غيبة الأصل عني، كما نبه عليه بطُرَّة أصله. ومراده بالمتداول قوله:"به ولكن لا يؤثر فاعرفا".

[بطلان الجبر والاختيار]

وقد فهم مما تقدم ردّ مذهب القدرية والجبرية، لكن لمّا كان لا بُدَّ عندهم في ردِّ المذاهب من التصريح أشار إلى رد المذهبين الفاسدين بالتصريح، فقال ردًّا على الجبرية: (فليس) العبد (مجبورا) جَبْرا يذهب معه الكسْبُ بالكلِّية وينتفي معه التكليف الشرعي، (ولا اختيارا) له في أفعاله بحيث يكون مؤثرا فيها، بل هو مجبور في قالب مختار (1)

(1) ظاهر هذه العبارة غامض، وربما تكون موهمة بإثبات الجبر المطلق، إلا أنه ليس كذلك؛ فالجبر نوعان: جبر مطلق: وهو الجبر الحسي الذي نفاه الأشاعرة وقال به الحمقى من الجبرية. وجبر مقيّد: وهو الجبر العقلي. وهذا لازم على جميع الفرق حتى على المعتزلة القائلين بأن العبد يخلق أفعال نفسه؛ لأنهم وإن أسندوها لقدرته الحادثة، إلا أنهم يعقلون أن تلك القدرة مخلوقة لله تعالى وليست من خلقه أو كسبه البتة، وحينئذ كل الفرق جبرية في المعنى، إلا أن الفرق بين الجبرين، أن الجبر الذي قال به أهل الحق في الأفعال الاختيارية إنما يدركه العقل فقط دون الحس، والجبر الذي قال به الفرقة الملقبة بالجبرية مقتضى أصولهم أنه يدرك بالحس والعقل في الأفعال الاختيارية والاضطرارية، وقد علم بطلانه بالضرورة. وقد واجه الأشاعرة إلزامات من خصومهم تؤدي إلى نفي معنى الكسب الذي أثبتوه، وبالتالي التزام الجبر في الأفعال ونفي الاختيار فيها مطلقا، ومنها أنهم لما عمموا علم الله تعالى وإرادته تعلقا، ورد عليهم أن الجبر لازم قطعا لأن علم الله وإرادته إما أن يتعلقا بوجود فعل العبد فيجب حينئذ وجوده، أو بعدمه فيمتنع وجوده، ولا اختيار مع الوجوب والامتناع؛ فدفعوه بأن قالوا: إن الله تعالى يعلم ويريد أن العبد يفعل الفعل أو يتركه باختياره، فلا إشكال آنذاك. ووجوب اختياره الفعل أو الترك على ذلك التقدير لا ينافي الاختيار، بل يحققه. والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت