فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 140

وبهذا يتبين بطلان مذهب القدرية مجوس هذه الأمة، القائلين بأنّ القدرة الحادثة تؤثِّر فيما تقارنه، فأثبتوا التأثير لغير القدرة القديمة، وجعلوا القدرة الحادثة أنفذ من القدرة القديمة فيما تعلقت به، وإرادة العبد أنفذ من إرادة خالقه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. ومذهبهم أيضا واضح البطلان، وهم أسوأ حالا من الجبرية.

والحق: مذهب أهل السنة رضي الله عنهم من أن للعبد كسبا، أي قدرة حادثة تقارن المقدور الحادث ولا تؤثر فيه، وإنما مولانا جل وعلا يخلق بقدرته عند ذلك الاقتران ما شاء. (1)

(فَلْتَعْلَما) أيها السنيُّ ذلك المذهب الحق الخارج من بين المذهبين الفاسدين, خروج لبنٍ خالص سائغ للشاربين, لتتبعه وتنبذ ما سواه من الأباطيل.

(1) استطاع الأشاعرة بنظرية الكسب التوسط في الاعتقاد، وبلوغ المراد من إثبات أن للعبد أفعالا اختيارية صادرة عن قصده وإرادته، والتي بها مناط التكليف، ومن الحفاظ على موجبات ألوهية الله تعالى من الانفراد بخلق الأفعال وإيجادها، فبعد أن ثبت بالبرهان أن لا خالق إلا الله تعالى، وثبت بالضرورة أن لقدرة العبد وإرادته مدخلا في بعض الأفعال الاختيارية، دون البعض كالأفعال الاضطرارية، أثبتوا لله تعالى خلقا وللعبد كسبا، وبيانه هو أن صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل المعين كسب، وإيجاد الله تعالى ذلك الفعل عقب ذلك خلق، والمقدور الواحد داخل تحت قدرتين بجهتين مختلفتين، قدرة الله تعالى بجهة الخلق، وقدرة العبد بجهة الكسب. وهذا القدر من المعنى ضروري، والكسب على هذا ليس أمرا وهميا أو عدميا، أما عدم الاقتدار عن الإفصاح عن حقيقته بأكثر مما قيل، فلأنه من أسرار القدر، ومن الأمور الغائبة عن العقول، وهذا لا يضر ما دامت التفرقة قائمة بين الأفعال الاختيارية والاضطرارية، وما دامت النظريات المخالفة لنظرية الكسب باطلة لاستلزامها محالات عديدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت