فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 140

وهذا الكسب الذي أثبته أهل السنة لا تأثير له كما أشار إليه الناظم بقوله: (ولم يكن) ذلك العبد (مؤثِّرًا) بذلك الكسب الذي كُلِّف به في المقدور تأثير اختراع وخلق وإيجاد له؛ لقيام البرهان على انفراد الباري تعالى بالتأثير، لا مؤثر سواه في شيء ما عموما (1) ؛ { الله خالق كل شيء } [الزمر: 62] { هل من خالق غير الله } [فاطر: 3] { والله خلقكم وما تعملون } [الصافات: 96] .

(1) هذا هو معتقد أهل السنة من الأشاعرة، وهو انفراد الباري تعالى بالخلق والإيجاد لكل الممكنات التي من جملتها أفعال العباد، وقد قامت على حقيته البراهين العقلية وصرحت بإثباته الأدلة النقلية، فمن العقليات أن العبد لو كان خالقا وموجدا لأفعاله لكان عالما بتفاصيلها، ولما بطل أن يكون عالما بتفاصيلها بطل أن تكون أفعاله من خلقه واختراعه؛ بيان ذلك أن الإتيان بالأزيد والأنقص وغير ذلك من المتقابلات في أفعال العباد ممكن، فلا بد لرجحان بروز أحدها إلى الوجود على الآخر من مخصص، وهو القصد إليه، ولا يتصور ذلك القصد إلا بعد الإحاطة العلمية التامة بكل المتقابلات والحقائق المختلفات، وليس ذلك إلا للعلم الإلهي القديم، ومن هنا استدل على عالمية الله تعالى بفاعليته الاختيارية للعالم. أما الإنسان، فالماشي مثلا يقطع مسافة معينة في زمان معين من غير شعور له بتفاصيل الأجزاء والأحياز التي بين المبتدأ والمنتهى، ولا بالآنات التي منها يتألف ذلك الزمان ولا بالسكنات التي يتخللها، والكاتب لصورة الحروف والكلمات متحرك الأنامل من غير شعور له بما لعظام وأعصاب وعضلات أنامله من تفاصيل حركاتها وأوضاعها التي بها تأتي تلك الصورة والنقوش، وغير ذلك من الأمثلة، وليس هذا ذهولا عن العلم، بل لو سئل أو تكلف ضبط ذلك على التفصيل لما استطاع، فبطل أن يكون الإنسان هو المؤثر فيها تأثير إخراج من العدم إلى الوجود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت