فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 140

وذهبت الماتريدية إلى أن السعيد قد يشقى، والشقي قد يسعد؛ بأن يكون الأوَّل على حالة ترضي ظاهرا فيتحول، والثاني على حالة لا ترضي فيختم له بالخير، والخلف لفظي (1) .

[كسب العباد لأفعالهم]

ثم ذكر الناظم مسألة الكسب التي وقع فيها الخلاف بين أهل الحق والجَبْرية والمعتزلة فقال: (وعندنا) معشر أهل الحق (للعبد كَسْبٌ) أي قدرة حادثة تقارن المقدور فقط ولا تؤثر فيه، ويعبَّر عنها بالاستطاعة أيضا، وهي عرَضٌ يخلقه الله للعبد عند إرادة الاكتساب، وهي شرط لأداء الفعل، وفي التكليف، ولذا قال: (كُلِّفَا) العبد به، يعني أن تلك القدرة الحادثة بها وقع التكليف الشرعي من الله تعالى للعبد.

وبهذا يظهر بطلان مذهب الجبرية القائلين بأن لا قدرة ولا كسب ولا اختيار، وأن العبد مجبور على كلّ حال، لا فرق عندهم بين حركة الاضطرار - كالمرتعش - وحركة الاختيار، ومذهبهم فاسد ظاهرُ الفساد لما فيه من إنكار المحسوس وإبطال الشرع, لأن العبد على مذهبهم لا كَسْبَ له أصلا ولا وُسْعَ، وقد قال الله تعالى: { لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا } [البقرة: 286] .

(1) السعادة والشقاوة أزليتان عند الأشاعرة، بمعنى أنهما مقدّرتان في الأزل لا تتغيران ولا تتبدلان؛ وذلك لاستحالة التبدل والتغير على علم الله تعالى القديم؛ فالسعيد من مات على الإيمان، والشقي من مات على الكفر. أما عند الماتريدية فالسعيد هو المسلم، والشقي هو الكافر، وعلى هذا يتصور أن السعيد قد يشقى بأن يرتدّ بعد الإيمان، والشقي قد يسعد بأن يؤمن بعد الكفر، فالسعادة والشقاوة عندهم غير أزليتين بل تتغيران. ومن هنا كان الخلاف لفظيا لأن الأشاعرة لا يحيلون ارتداد المسلم ولا إسلام الكافر، والماتريدية لا يجوّزون على من علم الله موته على الإسلام الارتداد عنه، ولا على من علم الله موته على الكفر إسلامه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت