فهرس الكتاب
فصل
الْحُكْمُ فِي الْقِيَامِ
عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ مِنَ الْخَاصَّةِ أَوِ الْعَامَّةِ
إِنَّ الْقِيَامَ عَلَيْهِمْ: بِالتَّثْرِيبِ، أَوِ التَّنْكِيلِ، أَوِ الطَّرْدِ، أَوِ الْإِبْعَادِ، أَوِ الْإِنْكَارِ؛ هُوَ بِحَسَبِ حَالِ الْبِدْعَةِ فِي نَفْسِهَا؛ مِنْ كَوْنِهَا: عَظِيمَةَ الْمَفْسَدَةِ فِي الدِّينِ، أَوْ لَا، وَكَوْنِ صَاحِبِهَا مُشْتَهِرًا بِهَا أَوْ لَا، وَدَاعِيًا إِلَيْهَا أَوْ لَا، وَمُسْتَظْهِرًا بِالْأَتْبَاعِ أَوْ لَا، وَخَارِجًا عَنِ النَّاسِ أَوْ لَا، وَكَوْنِهِ عَامِلًا بِهَا عَلَى جِهَةِ الْجَهْلِ أَوْ لَا.
وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْسَامِ لَهُ حُكْمٌ اجْتِهَادِيٌّ يَخُصُّهُ، إِذْ لَمْ يَأْتِ فِي الشَّرْعِ فِي الْبِدْعَةِ حَدٌّ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ، كَمَا جَاءَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَعَاصِي؛ كَالسَّرِقَةِ، وَالْحِرَابَةِ، وَالْقَتْلِ، وَالْقَذْفِ، وَالْجِرَاحِ، وَالْخَمْرِ ... وَغَيْرِ ذَلِكَ.
لَا جَرَمَ أَنَّ الْمُجْتَهِدِينَ مِنَ الْأُمَّةِ نَظَرُوا فِيهَا بِحَسَبِ النَّوَازِلِ، وَحَكَمُوا بِاجْتِهَادِ الرَّأْيِ؛ تَفْرِيعًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ لَهُمْ فِي بَعْضِهَا مِنَ النَّصِّ؛ كَمَا جَاءَ فِي الْخَوَارِجِ مِنَ الْأَثَرِ بِقَتْلِهِمْ [1] ، فَخَرَجَ مِنْ مَجْمُوعِ مَا تَكَلَّمَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ أَنْوَاعٌ:
أَحَدُهَا: الْإِرْشَادُ، وَالتَّعْلِيمُ، وَإِقَامَةُ الْحُجَّةِ؛ كَمَسْأَلَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ حِينَ ذَهَبَ إِلَى الْخَوَارِجِ، فَكَلَّمَهُمْ، حَتَّى رَجَعَ مِنْهُمْ أَلْفَانِ أَوْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ.
(1) قَالَ عَلِيٌّ - رضي الله عنه: «إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - يَقُولُ: «سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، أَحْدَاثُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلاَمِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ، لاَ يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ» . (رواه البخاري ومسلم) . (أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ) مَعْنَاهُ صِغَارُ الْأَسْنَانِ صِغَارُ الْعُقُولِ. (يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ) مَعْنَاهُ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ، كَقَوْلِهِمْ: «لَا حُكْمَ إِلَّا لِلهِ» وَنَظَائِرِهِ مِنْ دُعَائِهِمْ إِلَى كِتَابِ اللهِ - سبحانه وتعالى -.