فهرس الكتاب
شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» (رواه مسلم) [1] .
فَتَأَمَّلُوا أَيْنَ قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً» ، وَ «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً» ، تَجِدُوا ذَلِكَ فِيمَنْ عَمِلَ بِمُقْتَضَى الْمَذْكُورِ عَلَى أَبْلَغِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، حَيْثُ أَتَى بِتِلْكَ الصُّرَّةِ، فَانْفَتَحَ بِسَبَبِهِ بَابُ الصَّدَقَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَبْلَغِ، فَسُرَّ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - حَتَّى قَالَ: «مَن سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً» ... الْحَدِيثَ.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ هَاهُنَا مِثْلُ مَا فَعَلَ ذَلِكَ الصَّحَابِيُّ، وَهُوَ الْعَمَلُ بِمَا ثَبَتَ كَوْنُهُ سُنَّةً، وَأَنَّ الْحَدِيثَ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِى فَعَمِلَ بِهَا النَّاسُ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لاَ يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ أَوْزَارُ مَنْ عَمِلَ بِهَا لاَ يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِ مَنْ عَمِلَ بِهَا شَيْئًا» . (رواه ابن ماجه، وصحّحه الألباني) . فَجَعَلَ مُقَابِلَ تِلْكَ السُّنَّةِ الِابْتِدَاعَ، فَظَهَرَ أَنَّ السُّنَّةَ الْحَسَنَةَ لَيْسَتْ بِمُبْتَدَعَةٍ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ - صلى الله عليه وآله وسلم - لَمَّا حَضَّ عَلَى الصَّدَقَةِ أَوَّلًا ثُمَّ جَاءَ ذَلِكَ الْأَنْصَارِيُّ بِمَا جَاءَ بِهِ فَانْثَالَ [2] بَعْدَهُ الْعَطَاءُ إِلَى الْكِفَايَةِ، فَكَأَنَّهَا كَانَتْ سُنَّةً أَيْقَظَهَا - رضي الله عنه - بِفِعْلِهِ، فَلَيْسَ مَعْنَاهُ: مَنِ اخْتَرَعَ سُنَّةً وَابْتَدَعَهَا وَلَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً.
(1) (مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوَ الْعَبَاءِ) النِّمَارُ: جَمْعُ نَمِرَةٍ، وهي ثياب صوف فيها تنمير. والعَبَاء: جَمْعُ عَبَاءَةٍ وَعَبَايَةٍ.
مُجْتَابِي النِّمَارِ: أَيْ خَرَقُوهَا وَقَوَّرُوا وَسَطَهَا. (تَمَعَّرَ) أَيْ تَغَيَّرَ. (حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ) يَتَهَلَّلُ: أَيْ يَسْتَنِيرُ فَرَحًا وَسُرُورًا. (مُذْهَبَةٌ) فِي تَفْسِيرِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: مَعْنَاهُ فِضَّةٌ مُذْهَبَةٌ فَهُوَ أَبْلَغُ فِي حُسْنِ الْوَجْهِ وَإِشْرَاقِهِ. وَالثَّانِي شَبَّهَهُ فِي حُسْنِهِ وَنُورِهِ بِالْمُذْهَبَةِ مِنَ الْجُلُودِ، وَهِيَ شَيْءٌ كَانَتِ الْعَرَبُ تَصْنَعُهُ مِنْ جُلُودٍ وَتَجْعَلُ فِيهَا خُطُوطًا مُذْهَبَةً يُرَى بَعْضُهَا إِثْرَ بَعْضٍ.
وَأَمَّا سَبَبُ سُرُورِهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - فَفَرَحًا بِمُبَادَرَةِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى، وَبَذْلِ أَمْوَالِهِمْ لِلهِ، وَامْتِثَالِ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -، وَلِدَفْعِ حَاجَةِ هَؤُلَاءِ الْمُحْتَاجِينَ، وَشَفَقَةِ الْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَتَعَاوُنِهِمْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى. [انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (7/ 103) ] .
(2) انْثَالَُ: انصَبَّ.