فهرس الكتاب
فَإذَنْ؛ قَوْلُهُ - صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً» ؛ مَعْنَاهُ: مَنْ عَمِلَ بِسُنَّةٍ، لَا مَنِ اخْتَرَعَ سُنَّةً.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ وَجْهَيِ الْجَوَابِ: أَنَّ قَوْلَهُ - صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً» ؛ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الِاخْتِرَاعِ مِنْ أَصْلٍ؛ لِأَنَّ كَوْنَهَا حَسَنَةً أَوْ سَيِّئَةً لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ؛ فَلَزِمَ أَنْ تَكُونَ السُّنَّةُ فِي الْحَدِيثِ إِمَّا حَسَنَةً فِي الشَّرْعِ وَإِمَّا قَبِيحَةً بِالشَّرْعِ، فَلَا يَصْدُقُ إِلَّا عَلَى مِثْلِ الصَّدَقَةِ الْمَذْكُورَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ السُّنَنِ الْمَشْرُوعَةِ.
وَتَبْقَى السُّنَّةُ السَّيِّئَةُ مُنَزَّلَةٌ:
-عَلَى الْمَعَاصِي الَّتِي ثَبَتَ بِالشَّرْعِ كَوْنُهَا مَعَاصِيَ؛ كَالْقَتْلِ الْمُنَبَّهِ عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ آدَمَ، حَيْثُ قَالَ ص: «لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ» (رواه البخاري ومسلم) .
-وَعَلَى الْبِدَعِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ ذَمُّهَا وَالنَّهْيُ عَنْهَا بِالشَّرْعِ.
فَقَدْ عَادَ الْحَدِيثُ - وَالْحَمْدُ للهِ - حُجَّةً عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ مِنْ جِهَةِ لَفْظِهِ، وَشَرْحِ الْأَحَادِيثِ الْأُخَرِ لَهُ.
تنبيه:
ما رُوِيَ عَنْهُ - صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً ضَلَالَةً» إن صَحَّ [1] ، فَهُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْحَدِيثِ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِشَيْءٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ؛ كَالْعُمُومَاتِ الْمُبْتَدَأَةِ الَّتِي لَمْ تَثْبُتْ لَهَا أَسْبَابٌ.
(1) الحديث أصلًا لا يثبت؛ فلا وجه للمبتدعة في التمسك به. والثابت حديث: «مَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً» دون تقييد ذلك بالضَلَالَة.