الصفحة 123 من 441

وَيَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ قَوْلُهُ: «وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً» ؛ أَيْ: مَنِ اخْتَرَعَهَا، وَشَمَلَ مَا كَانَ مِنْهَا مُخْتَرَعًا ابْتِدَاءً مِنَ الْمَعَاصِي؛ كَالْقَتْلِ مِنْ أَحَدِ ابْنَيْ آدَمَ، وَمَا كَانَ مُخْتَرَعًا بِحُكْمِ الْحَالِ، إِذْ كَانَتْ قَبْلُ مُهْمَلَةً مُتَنَاسَاةً، فَأَثَارَهَا عَمَلُ هَذَا الْعَامِلِ.

وَإِنَّمَا يَبْقَى النَّظَرُ فِي قَوْلِهِ: «وَمَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً ضَلَالَةً» ، وَأَنَّ تَقْيِيدَ الْبِدْعَةِ بِالضَّلَالَةِ يُفِيدُ مَفْهُومًا، وَالْأَمْرُ فِيهِ قَرِيبٌ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ فِيهِ لَمْ تُفِدْ مَفْهُومًا؛ وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَفْهُومِ عَلَى رَأْيِ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ؛ فَإِنَّ الدَّلِيلَ دَلَّ عَلَى تَعْطِيلِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؛ كَمَا دَلَّ دَلِيلُ تَحْرِيمِ الرِّبَا قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ عَلَى تَعْطِيلِ الْمَفْهُومِ فِي قَوْلِ اللهِ تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} (آل عمران: 130) ، وَلِأَنَّ الضَّلَالَةَ لَازِمَةٌ لِلْبِدْعَةِ بِإِطْلَاقٍ، بِالْأَدِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَلَا مَفْهُومَ أَيْضًا [1] .

الشُبْهَةُ الثَانِيَة: أَنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ - رضي الله عنهم - وَأَعْلَاهُمُ الصَّحَابَةُ قَدْ عَمِلُوا بِمَا لَمْ يَأْتِ بِهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ مِمَّا رَأَوْهُ حَسَنًا وَأَجْمَعُوا عَلَيْهِ، وَلَا تَجْتَمِعُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وآله وسلم - عَلَى ضَلَالَةٍ، وَإِنَّمَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى هُدًى وَمَا هُوَ حَسَنٌ.

(1) المعنى أن أهل البدع يستدلون بمفهوم المخالفة، وإذا قلنا بمفهوم المخالفة على رأي طائفة من أهل الأصول، فإن الدليل قد دَلَّ على تعطيله في هذا الموضع وهو قوله - صلى الله عليه وآله وسلم: «كُلّ بِدْعَةٍ ضَلَالَة» (رواه مسلم) . فما رُوِيَ عَنْهُ - صلى الله عليه وآله وسلم - إن صح الحديث، وهو غير صحيح: «مَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً ضَلَالَةً» فيه بيان أنَّ كل بدعة ضلالة، وليس معناه أن هناك بدعًا ضلالة وبدعًا ليست ضلالة؛ لأن الضلالة لازمة للبدعة على الإطلاق.

ومثله قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} (آل عمران:30) فإنه لا يُعْمَلُ بمفهوم المخالفة وهو: جواز أكل الربا إذا لم يكن أضعافًا مضاعفة؛ لأن الدليل دل على تحريم الربا قليله وكثيره.

ويُقال لأهل البدع: كيف نعرف أن هذه بدعة ضلالة وتلك بدعة ليست ضلالة؟ لمن نرجع في التمييز بينهما؟ لو تُرِكَ الأمرُ هكذا لَكَانَ لكل مسلم بِدَعه الخاصة به التي يرى أنها ليست ضلالة، وتكون النتيجة أن يكون لكل مسلم دينًا يختلف عن الأخر. إن المرجع في ذلك هو رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، فخير الهدى هدى محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - الذي قال: «كُلّ بِدْعَةٍ ضَلَالَة» (رواه مسلم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت