فهرس الكتاب
وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ الْكِتَابَةَ مِنْ قَبِيلِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ إِذَا تَعَيَّنَ لِضَعْفِ الْحِفْظِ وَخَوْفِ انْدِرَاسِ الْعِلْمِ، كَمَا خِيفَ دُرُوسُهُ حِينَئِذٍ [1] .
وَفِي الصَّحِيحِ قَوْلُهُ - صلى الله عليه وآله وسلم: «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ [2] ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (رواه أبو داود، وصحّحه الألباني) . فَأَعْطَى الْحَدِيثُ كَمَا تَرَى أَنَّ مَا سَنَّهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ لَاحِقٌ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -؛ لِأَنَّ مَا سَنُّوهُ لَا يَعْدُو أَحَدَ أَمْرَيْنِ:
-إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ؛ فَذَلِكَ سُنَّةٌ لَا بِدْعَةٌ.
-وَإِمَّا بِغَيْرِ دَلِيلٍ - وَمَعَاذَ اللهِ مِنْ ذَلِكَ - وَلَكِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ دَلِيلٌ عَلَى إِثْبَاتِهِ سُنَّةً، إِذْ قَدْ أَثْبَتَهُ كَذَلِكَ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ، فَدَلِيلُهُمْ مِنَ الشَّرْعِ ثَابِتٌ، فَلَيْسَ بِبِدْعَةٍ، وَلِذَلِكَ أَرْدَفَ اتِّبَاعَهُمْ بِالنَّهْيِ عَنِ الْبِدَعِ بِإِطْلَاقٍ، وَلَوْ كَانَ عَمَلُهُمْ ذَلِكَ بِدْعَةً؛ لَوَقَعَ فِي الْحَدِيثِ التَّدَافُعُ [3] .
وَبِذَلِكَ يُجَابُ عَنْ مَسْأَلَةِ (قَتْلِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ) ؛ لِأَنَّهُ مَنْقُولٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه -، وَهُوَ أَحَدُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ. (وَتَضْمِينُ الصُّنَّاعِ) ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ - رضي الله عنهم -.
(1) اندرس الشَّيءُ: درَسَ: بلي وانطمس، ذهب أثرُه.
(2) (النواجذ) : النواجذ من الأسنان الضواحك، وهي التي تبدو عند الضحك. وقيل: التي بعد الأنياب.
والأكثر الأشهر أنها أواخُر الأسنان.
(3) تأمَّلْ قوله - صلى الله عليه وآله وسلم: «وَعَضُّوا عَلَيْهَا» بعدَ ذِكْرِ سُنَّته وسُنَّةِ خلفائه - رضي الله عنهم -، فجَعَلَها - صلى الله عليه وآله وسلم - واحدةً بقوله: «عَلَيْهَا» ، ولم يَقُلْ «عليهما» فتَدَبَّرْ.