فهرس الكتاب
الشُبْهَةُ الثَّالِثَةُ:
قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: «تَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ بِقَدْرِ مَا أَحْدَثُوا مِنَ الْفُجُورِ» ، فَأَجَازَ إِحْدَاثَ الْأَقْضِيَةِ وَاخْتِرَاعَهَا عَلَى قَدْرِ اخْتِرَاعِ الْفُجَّارِ لِلْفُجُورِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِتِلْكَ الْمُحْدَثَاتِ أَصْلٌ.
وَأَخَذَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ بِقَوْلِ الْمَيِّتِ: «دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ» ، وَلَمْ يَأْتِ لَهُ فِي الْمُوَطَّأِ بِأَصْلٍ سَمَاعِيٍّ، وَإِنَّمَا عُلِّلَ بِأَمْرٍ مُصْطَلَحِيٍّ، وَفِي مَذْهَبِهِ مِنْ ذَلِكَ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ.
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا مَعَ أَنَّهُ مُخْتَرَعٌ؛ فَلِمَ لَا يَجُوزُ مِثْلُهُ وَقَدِ اجْتَمَعَا فِي الْعِلَّةِ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مَصَالِحُ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْجُمْلَةِ؟! وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ جَائِزًا؛ فَلِمَ اجْتَمَعُوا عَلَى جُمْلَةٍ مِنْهَا، وَفَرَّعَ غَيْرُهُمْ عَلَى بَعْضِهَا؟! وَلَا يَبْقَى إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمْ يُتَابِعُونَ عَلَى مَا عَمِلَ هَؤُلَاءِ دُونَ غَيْرِهِ، وَإِنِ اجْتَمَعَا فِي الْعِلَّةِ الْمُسَوِّغَةِ لِلْقِيَاسِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَصِيرُ الِاقْتِصَارُ تَحَكُّمًا، وَهُوَ بَاطِلٌ، فَمَا أَدَّى إِلَيْهِ مِثْلُهُ، فَثَبَتَ أَنَّ الْبِدَعَ تَنْقَسِمُ.
وَالْجَوَابُ:
أنَّ مَا يُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ؛ فَلَمْ أَرَهُ ثَابِتًا مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ، وَإِنْ سُلِّمَ؛ فَرَاجِعٌ إِمَّا لِأَصْلِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ [1] ، وإمَّا لِبَابِ تَحْقِيقِ الَمنَاطِ [2] .
(1) أي إن سلمنا بصحة نسبة هذا الكلام لعمر بن عبد العزيز - رحمه الله - فَكلامه رَاجِعٌ إِمَّا لِأَصْلِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ ...
(2) إن صحت هذه الكلمة عن عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - فمعناها أن الناس إذا اخترعوا ألوانًا من الإثم والفجور والعدوان الفجور- مما ليس فيه نص - استحدَثَ لهم حُكّامهم أنواعًا من العقوبات والأقضية والتعزير - مما جعله الله من سلطان للإمام - بقَدْر ما ابتدعوا من المفاسد ليكون زجرًا لهم ونكالًا.
وهذا الكلام - على فرض ثبوته عن عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - لا يجوز قياس إحداث العبادات عليه، لأن كلام عمر - رحمه الله - إنما هو في معنى عَادِيّ يختلف فيه مناط الحكم الثابت؛ فليس معنى كلام عمر بن عبد العزيز أن الأحكام تتغير بتغير الزمان، بل تتغير باختلاف الصور الحادثة، فإذا حدثت صورة على صفة خاصة علينا أن ننظر فيها، فقد يكون مجموعها يقتضي الشرع له حكمًا.
فكلام عمر بن عبد العزيز - إن صحَّ عنه - لم يقصد به فتح أي باب يناقض الشريعة، وكيف ينسب إلى عمر بن عبد العزيز فتح باب الابتداع في الدين وهو الذي لَمَّا بَايَعَهُ النَّاسُ؛ صَعِدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ نَبِيِّكُمْ نَبِيٌّ، وَلَا بَعْدَ كِتَابِكُمْ كِتَابٌ، وَلَا بَعْدَ سُنَّتِكُمْ سُّنَّةٌ، وَلَا بَعْدَ أُمَّتِكُمْ أُمَّةٌ، أَلَا وَإِنَّ الْحَلَالَ مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ حَلَالٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَلَا وَإِنَّ الْحَرَامَ مَا حَرَّمَ اللهُ فِي كِتَابِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَلَا وَإِنِّي لَسْتُ بِمُبْتَدِعٍ وَلَكِنِّي مُتَّبِعٌ» . [انظر: (شرح رسالة القيرواني) للعلامة قاسم بن عيسى بن ناجي المالكي (2/ 276) ، تعليق الشيخ أحمد شاكر على الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (6/ 831) ، فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (3/ 72 - 73) ] .