الصفحة 132 من 441

وَقَدْ نَصَّ الْأُصُولِيُّونَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ.

ثَانِيًا: إِنَّمَا سَمَّاهَا عُمَرُ - رضي الله عنه - بِدْعَةً بِاعْتِبَارِ ظَاهِرِ الْحَالِ؛ مِنْ حَيْثُ تَرَكَهَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - وَاتَّفَقَ أَنْ لَمْ تَقَعْ فِي زَمَانِ أَبِي بَكْرٍ - رضي الله عنه -، لَا أَنَّهَا بِدْعَةٌ فِي الْمَعْنَى، فَمَنْ سَمَّاهَا بِدْعَةً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ؛ فَلَا مُشَاحَةَ فِي الْأَسَامِي [1] ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى جَوَازِ الِابْتِدَاعِ بِالْمَعْنَى الْمُتَكَلَّمِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ تَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ.

الشُبْهَةُ السَادِسَةُ:

عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ - رضي الله عنه - قَالَ: «كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَوَّلُهُ إِذَا جَلَسَ الإِمَامُ عَلَى المِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم -، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ - رضي الله عنهما -، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ - رضي الله عنه -، وَكَثُرَ النَّاسُ زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ [2] عَلَى الزَّوْرَاءِ» (رواه البخاري، الزَّوْرَاءُ: مَوْضِعٌ بِالسُّوقِ بِالْمَدِينَةِ) . قَالُوا: فَأَذَانُ الزَّوْرَاءِ مُحْدَثٌ.

(1) شاحّ فلانًا: خاصمه وماحَكَه. لا مُشاحَّة في الأمر: لا مخاصمة أو مماحكة فيه. و يقول العلماء: «لا مُشَاحَةَ في الاصطلاح» أي لا مجادلة فيما تعارفوا عليه. (الأساميُّ) : الأسماء.

(2) وفي رواية عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ - رضي الله عنه - أَنَّ الَّذِي زَادَ التَّأْذِينَ الثَّالِثَ يَوْمَ الجُمُعَةِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رضي الله عنه - حِينَ كَثُرَ أَهْلُ المَدِينَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم - مُؤَذِّنٌ غَيْرَ وَاحِدٍ، وَكَانَ التَّأْذِينُ يَوْمَ الجُمُعَةِ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ» يَعْنِي عَلَى المِنْبَرِ (رواه البخاري) .

وهذا يدل على أنه كان للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أذانان - يعني: الأذان والاقامة - ومؤذن واحد في الجمعة.

والأذان الذي زاده عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رضي الله عنه - حِينَ كَثُرَ أَهْلُ المَدِينَةِ يسمى النِّدَاءَ الثَّالِثَ وِالْأَذَانِ الْأَوَّلِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مَزِيدًا يُسَمَّى ثَالِثًا وإن كان هو أولها وقوعًا، وَبِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ جُعِلَ مُقَدَّمًا عَلَى الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ يُسَمَّى أَوَّلًا.

وَتَسْمِيَتُهُ بالتَّأْذِينَ بِالثَّانِي أَيْضًا مُتَوَجِّهٌ بِالنَّظَرِ إِلَى الْأَذَانِ الْحَقِيقِيِّ لَا الْإِقَامَةِ.

وَعُثْمَانَ - رضي الله عنه - إنَّمَا أَحْدَثَهُ لِإِعْلَامِ النَّاسِ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ قِيَاسًا عَلَى بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ فَأَلْحَقَ الْجُمُعَةَ بِهَا وَأَبْقَى خُصُوصِيَّتَهَا بِالْأَذَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْخَطِيبِ. [انظر: فتح الباري لابن رجب (6/ 207) ، فتح الباري لابن حجر (2/ 394) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت