الصفحة 150 من 441

وَرُبَّمَا قَدَحُوا فِي الرُّوَاةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ - رضي الله عنهم - وَمَنِ اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ عَلَى عَدَالَتِهِمْ وَإِمَامَتِهِمْ؛ كُلُّ ذَلِكَ لِيَرُدُّوا بِهِ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ فِي الْمَذْهَبِ. وَرُبَّمَا رَدُّوا فَتَاوِيَهُمْ وَقَبَّحُوهَا فِي أَسْمَاعِ الْعَامَّةِ؛ لِيُنَفِّرُوا الْأُمَّةَ عَنْ أَتْبَاعِ السُّنَّةِ وَأَهْلِهَا.

ثَالِثًا: تَخَرُّصُهُمْ [1] عَلَى الْكَلَامِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الْعَرَبِيَّيْنِ مَعَ الْعِرْو [2] عَنْ عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ الَّذِي يُفْهَمُ بِهِ عَنِ اللهِ وَرَسُولِهِ - صلى الله عليه وآله وسلم:

فَيَفْتَاتُونَ عَلَى الشَّرِيعَةِ بِمَا فَهِمُوا، وَيَدِينُونَ بِهِ، وَيُخَالِفُونَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا دَخَلُوا ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ تَحْسِينِ الظَّنِّ بِأَنْفُسِهِمْ. وَكَثِيرًا مَا يُوقِعُ الْجَهْلُ بِكَلَامِ الْعَرَبِ فِي مَجَازٍ لَا يَرْضَى بِهَا عَاقِلٌ، أَعَاذَنَا اللهُ مِنَ الْجَهْلِ وَالْعَمَلِ بِهِ بِفَضْلِهِ.

وَمَا اسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ مِنَ الْأَحْكَامِ الْفُرُوعِيَّةِ أَوِ الْأُصُولِيَّةِ؛ فَهُوَ عَيْنُ الْبِدْعَةِ، إِذْ هُوَ خُرُوجٌ عَنْ طَرِيقَةِ كَلَامِ الْعَرَبِ إِلَى اتِّبَاعِ الْهَوَى. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا هَذَا الْقُرْآنُ كَلَامٌ، فَضَعُوهُ مَوَاضِعَهُ، وَلَا تَتَّبِعُوا بِهِ أَهْوَاءَكُمْ» . أَيْ: فَضَعُوهُ عَلَى مَوَاضِعِ الْكَلَامِ، وَلَا تُخْرِجُوهُ عَنْ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ خُرُوجٌ عَنْ طَرِيقِهِ الْمُسْتَقِيمِ إِلَى اتِّبَاعِ الْهَوَى.

رَابِعًا: انْحِرَافُهُمْ عَنِ الْأُصُولِ الْوَاضِحَةِ إِلَى اتِّبَاعِ الْمُتَشَابِهَاتِ الَّتِي لِلْعُقُولِ فِيهَا مَوَاقِفُ وَطَلَبُ الْأَخْذِ بِهَا تَأْوِيلا:

كَمَا أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} (آل عمران: 7) .

وَقَدْ عَلِمَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ كُلَّ دَلِيلٍ فِيهِ اشْتِبَاهٌ وَإِشْكَالٌ لَيْسَ بِدَلِيلٍ فِي الْحَقِيقَةِ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ مَعْنَاهُ وَيَظْهَرَ الْمُرَادُ مِنْهُ، وَيُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يُعَارِضَهُ أَصْلٌ قَطْعِيٌّ، فَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ مَعْنَاهُ لِإِجْمَالٍ أَوِ اشْتِرَاكٍ، أَوْ عَارَضَهُ قَطْعِيٌّ، فَلَيْسَ بِدَلِيلٍ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الدَّلِيلِ أَنْ

(1) تخرَّص عليه: كذب وافترى.

(2) العِرْو: الخُلُوّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت