الصفحة 151 من 441

يَكُونَ ظَاهِرًا فِي نَفْسِهِ، وَدَالًّا عَلَى غَيْرِهِ، وَإِلَّا؛ احْتِيجَ إِلَى دَلِيلٍ عَلَيْهِ، فَإِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ صِحَّتِهِ؛ فَأَحْرَى أَنْ لَا يَكُونَ دَلِيلًا.

وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تُعَارِضَ الْفُرُوعُ الْجُزْئِيَّةُ الْأُصُولَ الْكُلِّيَّةَ؛ لِأَنَّ الْفُرُوعَ الْجُزْئِيَّةَ إِنْ لَمْ تَقْتَضِ عَمَلًا؛ فَهِيَ فِي مَحَلِّ التَّوَقُّفِ، وَإِنِ اقْتَضَتْ عَمَلًا؛ فَالرُّجُوعُ إِلَى الْأُصُولِ هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ.

وَتُتَأَوَّلُ الْجُزْئِيَّاتُ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى الْكُلِّيَّاتِ، فَمَنْ عَكْسَ الْأَمْرَ؛ حَاوَلَ شَطَطًا، وَدَخَلَ فِي حُكْمِ الذَّمِّ؛ لِأَنَّ مُتَّبِعَ الشُّبُهَاتِ مَذْمُومٌ، فَكَيْفَ يُعْتَدُّ بِالْمُتَشَابِهَاتِ دَلِيلًا؟ أَوْ يُبْنَى عَلَيْهَا حُكْمٌ مِنَ الْأَحْكَامِ؟ وَإِذَا لَمْ تَكُنْ دَلِيلًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ فَجَعْلُهَا دَلِيلًا بِدْعَةٌ مُحْدَثَةٌ هُوَ الْحَقُّ.

وَمِثَالُهُ فِي مِلَّةِ الْإِسْلَامِ أَنَّ جَمَاعَةً زَعَمُوا أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ؛ تَعَلُّقًا بِالْمُتَشَابِهِ، فَإِنَّهُمْ قَاسُوا الْبَارِي عَلَى الْبَرِيَّةِ، وَلَمْ يَعْقِلُوا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ، فَتَرَكُوا مَعَانِيَ الْخِطَابِ وَقَاعِدَةَ الْعُقُولِ. فَلَمْ يَنْظُرُوا فِي قَوْلِهِ تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الشورى: 11) . وَالْعَرَبَ لَا تَفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، وَالسَّمِيعُ الْعَلِيمُ، أَوِ الْقَدِيرُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ لَهُ سَمْعٌ وَبَصَرٌ وَعِلْمٌ وَقُدْرَةٌ اتَّصَفَ بِهَا، فَإِخْرَاجُهَا عَنْ حَقَائِقِ مَعَانِيهَا الَّتِي نَزَلَ الْقُرْآنُ بِهَا خُرُوجٌ عَنْ أُمِّ الْكِتَابِ إِلَى اتِّبَاعِ مَا تَشَابَهُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ.

ذَكَرَ صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ الْهَاشِمِيُّ؛ قَالَ: حَضَرْتُ يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ جُلُوسَ الْمُهْتَدِي لِلْمَظَالِمِ، فَرَأَيْتُ مِنْ سُهُولَةِ الْوُصُولِ وَنُفُوذِ الْكُتُبِ عَنْهُ إِلَى النَّوَاحِي فِيمَا يُتَظَلَّمُ بِهِ إِلَيْهِ مَا اسْتَحْسَنْتُهُ، فَأَقْبَلْتُ أَرْمُقُهُ بِبَصَرِي إِذَا نَظَرَ فِي الْقَصَصِ، فَإِذَا رَفَعَ طَرْفَهُ إِلَيَّ؛ أَطْرَقْتُ [1] . فَكَأَنَّهُ عَلِمَ مَا فِي نَفْسِي، فَقَالَ لِي: «يَا صَالِحُ، أَحْسَبُ أَنَّ فِي نَفْسِكِ شَيْئًا تُحِبُّ أَنْ تَذْكُرَهُ» ، فَقُلْتُ: «نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ!» .

(1) أطْرَقَ الرَّجلُ: سكَت ولم يتكلم، أرخى عينيه ينظر إلى الأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت