الصفحة 162 من 441

لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (المائدة: 77) .

وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذِهِ الْأَصْنَافَ؛ وَجَدَ لَهَا كَثِيرًا مِنَ الْبِدَعِ فِي فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ؛ لِأَنَّ الْبِدْعَةَ إِذَا دَخَلَتْ فِي الْأَصْلِ؛ سَهُلَتْ مُدَاخَلَتُهَا الْفُرُوعَ.

تَاسِعًا: الاسْتِنَادُ فِي أَخْذِ الْأَعْمَالِ إِلَى الْمَنَامَاتِ:

وَأَضْعَفُ هَؤُلَاءِ احْتِجَاجًا قَوْمٌ اسْتَنَدُوا فِي أَخْذِ الْأَعْمَالِ إِلَى الْمَنَامَاتِ، وَأَقْبَلُوا وَأَعْرَضُوا بِسَبَبِهَا: فَيَقُولُونَ: رَأَيْنَا فُلَانًا الرَّجُلَ الصَّالِحَ، فَقَالَ لَنَا: «اتْرُكُوا كَذَا، وَاعْمَلُوا كَذَا» .

وَيَتَّفِقُ هَذَا كَثِيرًا لِلْمُتَرَسِّمِينَ بِرَسْمِ التَّصَوُّفِ، وَرُبَّمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وآله وسلم - فِي النَّوْمِ، فَقَالَ لِي كَذَا، وَأَمَرَنِي بِكَذَا» ، فَيَعْمَلُ بِهَا وَيَتْرُكُ بِهَا؛ مُعْرِضًا عَنِ الْحُدُودِ الْمَوْضُوعَةِ فِي الشَّرِيعَةِ.

وَهُوَ خَطَأٌ، لِأَنَّ الرُّؤْيَا مِنْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ لَا يُحْكَمُ بِهَا شَرْعًا عَلَى حَالٍ؛ إِلَّا أَنْ تُعْرَضَ عَلَى مَا فِي أَيْدِينَا مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنْ سَوَّغَتْهَا عُمِلَ بِمُقْتَضَاهَا، وَإِلَّا؛ وَجَبَ تَرْكُهَا وَالْإِعْرَاضُ عَنْهَا، وَإِنَّمَا فَائِدَتُهَا الْبِشَارَةُ أَوِ النِّذَارَةُ خَاصَّةً، وَأَمَّا اسْتِفَادَةُ الْأَحْكَامِ؛ فَلَا.

فَلَوْ رَأَى فِي النَّوْمِ قَائِلًا يَقُولُ: إِنَّ فُلَانًا سَرَقَ فَاقْطَعْهُ، أَوْ عَالِمٌ فَاسْأَلْهُ، أَوِ اعْمَلْ بِمَا يَقُولُ لَكَ، أَوْ فُلَانٌ زَنَى فَحُدَّهُ ... وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لَمْ يَصِحَّ لَهُ الْعَمَلُ، حَتَّى يَقُومَ لَهُ الشَّاهِدُ فِي الْيَقَظَةِ، وَإِلَّا؛ كَانَ عَامِلًا بِغَيْرِ شَرِيعَةٍ، إِذْ لَيْسَ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - وَحْيٌ.

شُبْهةٌ:

إِنِ الرُّؤْيَا مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُهْمَلَ، وَالْمُخْبِرَ فِي الْمَنَامِ قَدْ يَكُونُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وآله وسلم -، وَهُوَ قَدْ قَالَ: «مَنْ رَآنِي فِي النَّوْمِ؛ فَقَدْ رَآنِي حَقًا؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي» (رواه البخاري ومسلم) . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِخْبَارُهُ فِي النَّوْمِ كَإِخْبَارِهِ فِي الْيَقَظَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت