فهرس الكتاب
وَالْجَوابُ:
-إِنْ كَانَتِ الرُّؤْيَا مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ؛ فَلَيْسَتْ إِلَيْنَا مِنْ كَمَالِ الْوَحْيِ، بَلْ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ، وَالْجُزْءُ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ، بَلْ إِنَّمَا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَقَدْ صُرِفَتْ إِلَى جِهَةِ الْبِشَارَةِ وَالنِّذَارَةِ.
-وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ الرُّؤْيَا الَّتِي هِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ؛ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ تَكُونَ صَالِحَةً مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ، وَحُصُولُ الشُّرُوطِ مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ، فَقَدْ تَتَوَفَّرُ وَقَدْ لَا تَتَوَفَّرُ.
-وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ الرُّؤْيَا مُنْقَسِمَةٌ إِلَى الْحُلْمِ ـ وَهُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ ـ، وَإِلَى حَدِيثِ النَّفْسِ، فَمَتَى تَتَعَيَّنُ الصَّالِحَةُ حَتَّى يَحْكُمَ بِهَا وَنَتْرُكُ غَيْرَ الصَّالِحَةِ؟!.
-وَيَلْزَمُ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ تَجْدِيدَ وَحْيٍ بِحُكْمٍ بَعْدَ النَّبِيِّ ص، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِالْإِجْمَاعِ.
ويُحْكَى أَنَّ شَرِيكَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْقَاضِي دَخَلَ عَلَى الْمَهْدِيِّ، فَلَمَّا رَآهُ؛ قَالَ: عَلَيَّ بِالسَّيْفِ وَالنَّطْعِ، قَالَ: «وَلِمَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟» ، قَالَ: «رَأَيْتُ فِي مَنَامِي كَأَنَّكَ تَطَأُ بِسَاطِي وَأَنْتَ مُعْرِضٌ عَنِّي، فَقَصَصْتُ رُؤْيَايَ عَلَى مَنْ عَبَرَهَا، فَقَالَ لِي: يُظْهِرُ لَكَ طَاعَةً وَيُضْمِرُ مَعْصِيَةً» . فَقَالَ لَهُ شَرِيكٌ: «وَاللهِ مَا رُؤْيَاكَ بِرُؤْيَا إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ - عليها السلام -، وَلَا مُعَبِّرُكَ يُوسُفُ الصِّدِّيقِ - عليها السلام -، أفَبِالْأَحْلَامِ الْكَاذِبَةِ تَضْرِبُ أَعْنَاقَ الْمُؤْمِنِينَ؟» ، فَاسْتَحْيَا الْمَهْدِيُّ، وَقَالَ: «اخْرُجْ عَنِّي» ، ثُمَّ صَرَفَهُ وَأَبْعَدَهُ.
وَأَمَّا الرُّؤْيَا الَّتِي يُخْبِرُ فِيهَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - الرَّائِي بِالْحُكْمِ؛ فَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِيهَا أَيْضًا لِأَنَّهُ:
-إِذَا أَخْبَرَ بِحُكْمٍ مُوَافِقٍ لِشَرِيعَتِهِ؛ فَالْحُكْمُ بِمَا اسْتَقَرَّ.
-وَإِنْ أَخْبَرَ بِمُخَالِفٍ؛ فَمُحَالٌ؛ لِأَنَّهُ ص لَا يَنْسَخُ بَعْدَ مَوْتِهِ شَرِيعَتَهُ الْمُسْتَقِرَّةَ فِي حَيَاتِهِ؛ لِأَنَّ الدِّينَ لَا يَتَوَقَّفُ اسْتِقْرَارُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَى حُصُولِ الْمَرَائِي النَّوْمِيَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ.