فهرس الكتاب
فَمَنْ رَأَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَا عَمَلَ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ نَقُولُ: إِنَّ رُؤْيَاهُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، إِذْ لَوْ رَآهُ حَقًّا؛ لَمْ يُخْبِرْهُ بِمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ.
وَعَلَى الْجُمْلَةِ، فَلَا يَسْتَدِلُّ بِالرُّؤْيَا فِي الْأَحْكَامِ إِلَّا ضَعِيفُ الْمُنَّةِ [1] .
نَعَمْ؛ يَأْتِي العُلَماءُ بِالرُّؤْيَا تَأْنِيسًا وَبِشَارَةً وَنِذَارَةً خَاصَّةً، بِحَيْثُ لَا يَقْطَعُونَ بِمُقْتَضَاهَا حُكْمًا، وَلَا يَبْنُونَ عَلَيْهَا أَصْلًا، وَهُوَ الِاعْتِدَالُ فِي أَخْذِهَا، حَسْبَمَا فُهِمَ مِنَ الشَّرْعِ فِيهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَأَهْلِ الْبِدَعِ اسْتِدْلَالَاتِهِمُ الْوَاهِيَةِ حَاصِلُهَا الْخُرُوجُ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي أَوْضَحَهُ الْعُلَمَاءُ، وَبَيَّنَهُ الْأَئِمَّةُ، وَحَصَرَ أَنْوَاعَهُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ.
وَمَنْ نَظَرَ إِلَى طُرُقِ أَهْلِ الْبِدَعِ فِي الِاسْتِدْلَالِ؛ عَرَفَ أَنَّهَا لَا تَنْضَبِطُ؛ لِأَنَّهَا سَيَّالَةٌ لَا تَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ، وَعَلَى كُلِّ وَجْهٍ يَصِحُّ لِكُلِّ زَائِغٍ وَكَافِرٍ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى زَيْغِهِ وَكُفْرِهِ حَتَّى يَنْسِبَ النِّحْلَةَ الَّتِي الْتَزَمَهَا إِلَى الشَّرِيعَةِ؛ فَقَدْ رَأَيْنَا وَسَمِعْنَا عَنْ بَعْضِ الْكُفَّارِ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى كُفْرِهِ بِآيَاتِ الْقُرْآنِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنِ اتَّبَعَ الْمُتَشَابِهَاتِ، أَوْ حَرَّفَ الْمَنَاطَاتِ، أَوْ حَمَّلَ الْآيَاتِ مَا لَا تَحَمَلُهُ عِنْدَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، أَوْ تَمَسَّكَ بِالْأَحَادِيثِ الْوَاهِيَةِ، أَوْ أَخَذَ الْأَدِلَّةَ بِبَادِيَ الرَّأْيِ [2] يُمْكِنُ لَهُ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى كُلِّ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ أَوِ اعْتِقَادٍ وَافَقَ غَرَضَهُ بِآيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ اسْتِدْلَالُ كُلِّ فِرْقَةٍ شُهِرَتْ بِالْبِدْعَةِ عَلَى بِدْعَتِهَا بِآيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ؛ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ؛ فَمَنْ طَلَبَ خَلَاصَ نَفْسِهِ؛ تَثَبَّتَ حَتَّى يَتَّضِحَ لَهُ الطَّرِيقُ، وَمَنْ تَسَاهَلَ؛ رَمَتْهُ أَيْدِي الْهَوَى فِي مَعَاطِبَ لَا مُخَلّصَ لَهُ مِنْهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ.
(1) الْمُنَّة: القوة، وخص بعضهم بها قوة القلب.
(2) بادي الرَّأي: ظاهر الرأي، من غير تفكُّرٍ ولا رويَّة، لا عمق عنده في التفكير والتصور للأشياء.