فهرس الكتاب
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ تُبْتَدَعُ، فَلَا تَزْدَادُ عَلَى طُولِ الزَّمَانِ إِلَّا مُضِيًّا وَاشْتِهَارًا وَانْتِشَارًا، فَعَلَى وَزْنِ ذَلِكَ يَكُونُ إِثْمُ الْمُبْتَدِعِ لَهَا، كَمَا أَنَّ مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً؛ كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَأَيْضًا، فَإِذَا كَانَتْ كُلُّ بِدْعَةٍ يَلْزَمُهَا إِمَاتَةُ سُّنَّةٍ تُقَابِلُهَا؛ كَانَ عَلَى الْمُبْتَدِعِ إِثْمُ ذَلِكَ أَيْضًا، فَهُوَ إِثْمٌ زَائِدٌ عَلَى إِثْمِ الِابْتِدَاعِ، وَذَلِكَ الْإِثْمُ يَتَضَاعَفُ تَضَاعُفَ إِثْمِ الْبِدْعَةِ بِالْعَمَلِ بِهَا، لِأَنَّهَا كُلَّمَا تَجَدَّدَتْ فِي قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ؛ تَجَدَّدَتْ فِي قَوْلِ إِمَاتَةِ السُّنَّةِ كَذَلِكَ.
عَاشِرًا: الْمُبْتَدِعُ لَيْسَ لَهُ تَوْبَةٌ: لِمَا جَاءَ مِنْ قَوْلِهِ - صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ اللهَ حَجَبَ التَّوْبَةَ عَنْ كُلِّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ» [1] (أخرجه ابن أبي عاصم في السنة، وحسنه المنذري، وصحّحه الألباني بشواهده) .
(1) هذا خرج مخرج الغالب، فهو إخبار وليس حكم بعدم قبول توبتهم وأنهم لو تابوا لن يقبل الله منهم.
وهذا الحديث من نصوص الوعيد التي لا تُفَسَّر عند أهل السنة لتبقى هيبة الزجر عن الابتداع، ومذهب أهل السنة أن كل ما توعد الله به العبد من العقاب فهو بشرط أن لا يتوب، فإن تاب تاب الله عليه.
وهذا الحديث من باب الأخبار الواردة في الشرع، ومن جنس قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} (الليل: 8 - 10) . وقوله تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} (الصف:5) ؛ فيكون معناه: أن المبتدع الذي ترك هدى الله، وتنكب سنة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وسلك الطريق الجائر، يستحق ألا يهديه الله هداية التوفيق والتمكين التي هي مِن أجَلّ أنواعها التوفيق للتوبة، فتُحْجَزُ عنه التوبة من هذا الباب؛ لأن الله قد وعَدَ مَن قَبِلَ هداية إرشاده ودلالته بهداية توفيقه وتمكينه، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} (محمد:17) .
وحقيقة حال المبتدع التقدم بين يدي الله - سبحانه وتعالى - ورسوله - صلى الله عليه وآله وسلم -، والافتئات على الشرع، وعدم الوقوف عند ما حده الله له، فكأنه لم يقبل هداية الدلالة والإرشاد التي من أعظم أركانها الاعتصام بكتاب الله - عز وجل - وسنة رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم -، ولذلك لم يستحق وعد الله بهداية التوفيق والتمكين، فيكون ذلك سببًا في هلاكه وامتناع التوبة عنه. ومع ذلِكَ فإن لله - عز وجل - أن يتكرم فيقبل توبة من يشاء من أهل الابتداع، بعد أن يوفقه الله لها تكرمًا منه، فإنه - سبحانه وتعالى - لا يُخلِف الوعد، وله أن يتجاوز عن تَوَّعُدِهم تَكَرُّمًا، وقد ذكر هذا المعنى السفاريني في (غذاء الألباب لشرح منظومة الآداب) ونسبه إلى الإمام أحمد أنه سُئِل عن هذا الحديث فقال: «لا يُوَفَّقُ ولا يُيَسَّرُ صاحبُ بدعة» .
ويمكن أن يقال إن المبتدعة في هذه الأمة من حيث تعلقهم بالبدعة على قسمين:
1 -قسم أُشرب قلبه البدعة ومازج الهوى قلبه، لا يمكن في العادة انفصاله عن البدعة أو توبته منها، مثل ما يدخل داء الكَلَب جسم صاحبه فلا يبقى من ذلك الجسم جزء من أجزائه إلا دخله ذلك الداء بحيث لا يقبل العلاج ولا ينفع فيه الدواء، وكذلك صاحب الهوى إذا دخل قلبه وأشرب حبه ففي الغالب لا تعمل فيه الموعظة، ولا يقبل البرهان ولا يكترث بمن خالفه لاستحكام البدعة فيه، وتغلغل الهوى في قلبه، فلذلك يندر أن يرجع عن هواه أو يتوب من بدعته.
2 -وقسم لم يشرب قلبه البدعة ولم يتعلق بها كتعلق صاحب القسم الأول، وهذا يمكنه الرجوع إلى الحق والتوبة من الباطل.
ويمكن أن يقال: إن المبتدع الذي يتخذ دينًا لم يشرعه الله - عز وجل -، ويتقرب بما أملاه عليه هواه، قد زُيِّن له سوءُ عمله فرآه حسنًا، ففي الغالب لا تقع التوبة منه ما دام يرى فعله المبتدع حسنًا، بل يراه هو الدين الصحيح كما شبه له، ويرى غيره هو الباطل والضلال فيبقى ملازمًا لهواه مصرًا على بدعته فلا يتوب.
ونصوص الوعيد معلقة فيما عدا الشرك بمشيئة الله، ومشروطة بعدم التوبة، فمن تاب تاب الله عليه.
وهذه الحديث لابد من النظر فيه ضمن نصوص الوعد والوعيد، وقاعدة أهل السنة والجماعة فيها، وضمن نصوص التوبة والغفران الكثيرة التي تفيد في مجموعها أن المغفرة تحصل لكل تائب إذا استكمل شروط التوبة مهما كان الذنب وكيفما كان الجرم، فإذا كانت التوبة مقبولة لمن أشرك، وارتكب كبائر الذنوب العملية فإنها تقبل ممن ابتدع حتى ولو خرج ببدعته عن الإسلام.
ولا شك أن الشرك أعظم الذنوب وأكبر الآثام، وهو الذي لا يغفر لصاحبه إذا مات عليه مطلقًا.
فإذا كانت التوبة مفتوحة للكافر والمشرك، ومقبولة منهما فكيف بالمسلم المبتدع؟
والمبتدع الذي تُخْرِجه بدعته عن الإسلام ليس كالكافر الأصلي، فإذا قبلت توبة الكافر الجاحد فتوبة المبتدع أولى، ولا فرق بين الداعية وغيره.
دلالة الواقع على أن المبتدع يمكن أن يتوب:
ورد في تاريخ الإسلام وتراجم الأعلام وغيرها ما يدل على وقوع التوبة من المبتدع، فمن ذلك: توبة أربعة آلاف من الخوارج بعد أن ناظرهم ابن عباس - رضي الله عنه -، مع أن الخوارج من أصحاب البدع الغليظة، وقد ورد فيهم من الأحاديث ما لم يرد في غيرهم من الفرق، فهم الذين يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وهم الذين أمر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بقتالهم وبشر من قاتلهم أو قتلوه بالجنة. ومع كل هذا فقد تاب منهم هذا الجم الغفير، وكانوا قبل ذلك على ضلالة يقاتلون عنها، ولم يقل أحد من الصحابة - رضي الله عنهم - أن توبتهم غير مقبولة أو أن التوبة محجوزة عنهم.
ويوجد في تراجم أعلام الإسلام كثير ممن رجع عن بدعته وتاب منها، وفيها إثبات وقوع التوبة وحصولها ممن انتحل قولًا مبتدعًا أو عمل بما فيه ابتداع، وأن من تاب من اعتقاد فاسد أو عمل بدعي قُبِلَت توبته مهما كانت بدعته. (انظر: توبة المبتدع، للدكتور سعيد بن ناصر الغامدي) .