فهرس الكتاب
وَعَنْ أَيُّوبَ قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ يَرَى رَأْيًا، فَرَجَعَ عَنْهُ، فَأَتَيْتُ مُحَمَّدًا فَرِحًا بِذَلِكَ أُخْبِرُهُ، فَقُلْتُ: أَشَعَرْتَ أَنَّ فُلَانًا تَرَكَ رَأْيَهُ الَّذِي كَانَ يَرَى؟ فَقَالَ: انْظُرْ إِلَامَ يَتَحَوَّلُ؟ إِنَّ آخِرَ الْحَدِيثِ أَشُدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ أَوَّلِهِ: يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ ... ... ثُمَّ لَا يَعُودُونَ» .
فَهَذِهِ شَهَادَةُ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِمَعْنَى هَذِهِ الْآثَارِ، وَحَاصِلُهَا: أَنْ لَا تَوْبَةَ لِصَاحِبِ الْبِدْعَةِ عَنْ بِدْعَتِهِ، فَإِنْ خَرَجَ عَنْهَا؛ فَإِنَّمَا يَخْرُجُ إِلَى مَا هُوَ شَرٌّ مِنْهَا؛ كَمَا فِي حَدِيثِ أَيُّوبَ، أَوْ يَكُونُ مِمَّنْ يُظْهِرُ الْخُرُوجَ عَنْهَا وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَيْهَا بَعْدُ؛ كَقِصَّةِ غَيْلَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا حَدِيثُ الْفِرَقِ إِذْ قَالَ فِيهِ - صلى الله عليه وآله وسلم: «وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ تَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلَبُ بِصَاحِبِهِ [1] ، لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلَا مَفْصِلٌ إِلَّا دَخَلَهُ» (رواه الإمام أحمد في المُسند، وصحّحه الألباني) .
وَهَذَا النَّفْيُ يَقْتَضِي الْعُمُومَ بِإِطْلَاقٍ، وَلَكِنَّهُ قَدْ يُحْمَلُ عَلَى الْعُمُومِ الْعَادِيِّ، إِذْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَتُوبَ عَمَّا رَأَى وَيَرْجِعَ إِلَى الْحَقِّ، كَمَا نُقِلَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ، وَمَا نَقَلُوهُ فِي مُنَاظَرَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْحَرُورِيَّةَ الْخَارِجِينَ عَلَى عَلِيٍّ - رضي الله عنه -، وَفِي مُنَاظَرَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِبَعْضِهِمْ.
وَلَكِنَّ الْغَالِبَ فِي الْوَاقِعِ الْإِصْرَارُ، وَمِنْ هُنَالِكَ قُلْنَا: يَبْعُدُ أَنْ يَتُوبَ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ يَقْتَضِي الْعُمُومَ بِظَاهِرِهِ.
وَسَبَبُ بُعْدِهِ عَنِ التَّوْبَةِ: أَنَّ الدُّخُولَ تَحْتَ تَكَالِيفِ الشَّرِيعَةِ صَعْبٌ عَلَى النَّفْسِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُخَالِفٌ لِلْهَوَى، وَصَادٌّ عَنْ سَبِيلِ الشَّهَوَاتِ، فَيَثْقُلُ عَلَيْهَا جِدًّا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَقِيلٌ، وَالنَّفْسَ إِنَّمَا تَنْشَطُ بِمَا يُوَافِقُ هَوَاهَا لَا بِمَا يُخَالِفُهُ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ فَلِلْهَوَى فِيهَا مَدْخَلٌ، لِأَنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى نَظَرِ مُخْتَرِعِهَا لَا إِلَى نَظَرِ الشَّارِعِ، فَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِحُكْمِ الشَّارِعِ فَعَلَى حُكْمِ
(1) (تَجَارى بهم) أي: تسري في عروقهم ومفاصلهم. (الكَلَب) بفتحتين: داء يصيب الإنسان من عَضِّ الكلب المجنون.