أحد أن مثل هذا دليل له، فإن فساد هذا ظاهر لكل أحد، ولكن ليس مجرد كونه خارقًا للعادة كافيًا لوجهين:
أحدهما: أن كون الشيء معتادًا وغير معتاد أمر نسبي إضافي، ليس بوصف مضبوط تتميز به الآية.
الثاني: أن مجرد ذلك مشترك بين الأنبياء وغيرهم". [1] "
3 -منشأ الخطأ عند الماتريدية، اعتقادهم أن دلائل الأنبياء، وكرامات الأولياء، وخوارق السحرة والكهان، كلها من جنس واحد، ولهذا أنكرت المعتزلة كرامات الأولياء، وخوارق السحرة والكهان، حتى لاتلتبس بدلائل الأنبياء، ولم يجد الماتريدية وكذلك الأشاعرة فرقًا إلا التحدي، ومقارنة النبوة، ولهذا اضطربوا في التفريق بين المعجزة والكرامة كما سيأتي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله"إن آيات الأنبياء مما يعلم العقلاء أنها مختصة بهم، ليست مما تكون لغيرهم، فيعلمون أن الله لم يخلق مثلها لغير الأنبياء، وسواء في آياتهم التي كانت في حياة قومهم، وآياتهم التي فرق الله بها بين أتباعهم، وبين مكذبيهم، بنجاة هؤلاء وهلاك هؤلاء، ليست من جنس ما يوجد في العادات المختلفة لغيرهم ... فآيات الأنبياء هي أدلة وبراهين على صدقهم، والدليل يجب أن يكون مختصًا بالمدلول عليه، لا يوجد مع عدمه، ولا يتحقق الدليل إلا مع تحقق المدلول، كما أن الحادث لابد له من محدث، فيمتنع وجود حادث بلا محدث ... فكذلك ما دل على صدق النبي، يمتنع وجوده إلا مع كون النبي صادقًا ..."
المقصود أن جنس الأنبياء متميزون عن غيرهم بالآيات، والدلائل الدالة على صدقهم، التي يعلم العقلاء أنها لم توجد لغيرهم، فيعلمون أنها ليست لغيرهم لا عادةً ولا خرق عادة". [2] "
4 -أن مايظهر من خوارق العادة على يد الأنبياء، ليس من شرطه التحدي، أو عدم الإتيان بمثله، بل آيات الأنبياء دليل نبوتهم، وقد تخلوا من شرط التحدي، وعدم المعارضة، فتكثير الطعام والشراب مرات، ونبع الماء بين يدي أصابع النبي صلى الله عليه وسلم غير مرة، كل هذا من دلائل النبوة، ولم يكن يظهرها النبي للاستدلال بها، ولايتحدى بمثلها، بل لحاجة
(1) انظر النبوات، شيخ الإسلام ابن تيمية، ط. بدون (بيروت: دار الكتب العلمية) ص 20.
(2) انظر النبوات ص 159، 160_ 165.