وأحكامه الحكيمة، وإقدامه حيث تحجم الأبطال، ووثوقه بعصمة الله تعالى في جميع الأحوال، وثباته على حاله لدى الأهوال، بحيث لم يجد أعداؤه مع شدة عداوتهم وحرصهم على الطعن فيه مطعنًا، ولا إلى القدح فيه سببًا، فإن العقل يجزم بامتناع اجتماع هذه الأمور في غير الأنبياء، وأن يجمع الله هذه الكمالات في حق من يعلم أنه يفري عليه، ثم يمهله ثلاثًا وعشرين سنةً، ثم يظهر دينه على سائر الأديان وينصره على أعدائه، ويحيى آثاره بعد موته إلى يوم القيامة.
وثانيهما: أنه ادعى ذلك الأمر العظيم بين أظهر قوم لا كتاب لهم، ولا حكمة معهم، وبين لهم الكتاب والحكمة، وعلمهم الأحكام والشرائع، وأتم مكارم الأخلاق، وأكمل كثيرًا من الناس في الفضائل العلمية والعملية، ونور العالم بالإيمان والعلم الصالح، وأظهر الله دينه على الدين كله كما وعده، ولا معنى للنبوة والرسالة سوى ذلك". [1] "
مما سبق يتبين أن إمام مذهب الماتريدية، يرى أن إثبات النبوة له طريقان، لكن جمهور الماتريدية اكتفوا بالطريق الثاني، وعدوه هو الدليل الوحيد على صدق النبي، بحجة أن المعجزة وحدها هي التي تفيد العلم اليقيني بثبوت نبوة النبي.
قال أبواليسرالبزدوي [2] :"لا يتصور ثبوت الرسالة بلا دليل، فيكون الثبوت بالدلائل، وليست تلك الدلائل إلا المعجزات، فثبتت رسالة كل رسول بمعجزات ظهرت على يديه، فكانت معجزات موسى عليه السلام العصا، واليد البيضاء وغيرهما من المعجزات، ومعجزات عيسى عليه السلام إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك، ومعجزات محمد عليه السلام القرآن، فإن العرب بأجمعهم مع فصاحتهم عجزوا عن الإتيان بمثله ... فعجزوا عن ذلك، فكانت المعجزات دليل صدق دعواهم الرسالة، فإن ما ظهر ليس في وسع بشر، فعلم أن الله هو المنشئ، وإنما ينشئها لتكون دليلًا على صدق دعواه، فإن قوم كل رسول سألوا منه دلائل صدقه، فدعا الله تعالى ليؤيده بإعطاء ما طلبوا منه، فلما أعطاه دليل صدقه الذي طلب منه قومه، صار ذلك دليل صدقه من الله تعالى، فإن الله لا يؤيد الكاذب ... ولابد للناس من معرفة"
(1) شرح العقائد النسفية مع حاشية جمع الفرائد بإنارة شرح العقائد، (بدون معلومات نشر) ص 138.
(2) هومحمد بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم، أبو اليسر، لقب بصدر الاسلام البزدوي، فقيه بخاري، ولي القضاء بسمرقند، وانتهت إليه رئاسة الحنفية في ما وراء النهر، توفي عام 493 هـ. انظر الأعلام 7/ 22، وسير أعلام النبلاء 19/ 49.