المبحث الثاني: طرق إثبات النبوة عند الماتريدية.
ذهب الماتريدية إلى أن النبوة تثبت بطريقين:
الأول: النظر في صفات الأنبياء الخَلقية والخُلقية قبل الرسالة وبعدها.
الثاني: تأييد الله تعالى لهم بالمعجزات والآيات والبراهين الدالة على صدقهم.
قال أبو منصور الماتريدي [1] إمام المذهب:"ثم الأصل عندنا في إعلام الرسل وجهان: أحدهما: ظهور أحوالهم على جهة يدفع العقول عنهم الريبة، وتأبى فيهم توهم الظنة، بما صحبوهم في الصغر والكبر، فوجدوهم طاهرين أصفياء أتقياء، بين أظهر قوم ما احتمل التسوية بينهم على ذلك، ولا تربيتهم تبلغ ذلك، على ظهور أحوالهم لهم، وكونهم بينهم في القرار والإنتشار، فيعلم بإحاطة أن ذلك حفظ من يعلم أنه يقيمهم مقامًا شريفًا، ويجعلهم أمناء على الغيوب والأسرار، وهذا مما يميل إلى قبوله الطبيعة ويستحسن جميع أمورهم العقل، فيكون الراد عليه يرد بعد المعرفة رد تعنت له، إما لإلف وعادة على خلاف ذلك، أو لشرف ونباهة في العاجل، أو لمطامع ومنال، وإلا فما من قلب إلا ويميل إلى من دون هذا رتبته ومحله، ولا قوة إلا بالله."
والثاني: مجيء الآيات الخارجة عن طبائع أهل البصر في ذلك النوع، الممتنعة عن أن يطمع في مثلها، أو يبلغ بكنهها التعلم، مع ما لو احتمل أن يبلغ أحد ذلك بالتعلم والإجتهاد، فإن الرسل بما نشأوا لا في ذلك، وربوا لا به، يظهر أنهم استفادوه بالله، أكرمهم بذلك، لما يجعلهم أمناء على وحيه .." [2] "
وقال سعد الدين التفتازاني [3] :"وقد يستدل أرباب البصائر على نبوته بوجهين:"
أحدهما: ما تواتر من أحواله قبل النبوة، وحال الدعوة، وبعد تمامها، وأخلاقه العظيمة
(1) هو محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي: من أئمة علماء الكلام، نسبته إلى ما تريد (محلة بسمرقند) ، توفي عام 333 هـ. انظر الأعلام 7/ 19.
(2) كتاب التوحيد، تحقيق د. فتح الله خليف، ط. بدون (القاهرة: دار الجامعات المصرية، بدون) ص 188 - 189، وانظر ص 202 - 210.
(3) هو مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازانى، سعد الدين: من أئمة العربية والبيان والمنطق، ولد بتفتازان (من بلاد خراسان) وأقام بسرخس، وأبعده تيمورلنك إلى سمرقند، فتوفى فيها عام 793 هـ، ودفن في سرخس. انظر الأعلام 7/ 219.