الصفحة 25 من 45

مصيبة، وإن كان يدري ثم لم يذكر هذا في كتابه الذي جل حديثه فيه عن الشعر وأثره على العرب وثقافتهم: فالمصيبة أعظم.

وهل ما جاء في القرآن بخصوص الشعراء في سورة"الشعراء"مجرد انتقاد هذا النوع من الشعر (اللافاعلي) ؟! أم جاء أولًا انتقاد الشعراء عمومًا بأنهم يتبعهم الغاوون، وأنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون، ثم استثنى الله من ذلك الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرًا؟!

فهذه الآيات الكريمات تبين بجلاء موقف الإسلام من الشعر، فالشعراء بمعمومهم محل ذم، وكذلك من يتبعونهم، لكن ليس كل الشعراء كذلك، فإن الله استثنى منهم طائفة أثنى عليهم.

وإنك تجد الدكتور الغذّامي بعيدًا عن هذا المنهج القرآني في الموقف من الشعر، وذلك من جانبين:

الجانب الأول: كونه يضخم من نفسه ويفخم من ذاته ويوهم الأمة أنه صاحب السبق المظفر في مشروع انتقاد الشعر، وهو مخطئ في هذا من جهة انسلاخه من نسبة هذا النقد العام للشعر إلى القرآن الكريم، وكذلك إيهامه أن كل ما جاء في القرآن هو انتقاد نوع من الشعر، وهو (اللافاعلي) .

والجانب الثاني: تعميمه نقد الشعر، دونما استثناء لما استثناه الله من الشعراء وأثنى عليهم. وفي هذا تعطيل لخطاب دعوي إسلامي مهم، ومخالفة ظاهرة لهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بقول الشعر جهادًا للمشركين، وأثنى على شاعريه، وسمع شعرًا في المدح وغيره.

ومما ذكره العلماء في معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خير له من أن يمتلئ شعرًا) : أن يمتلئ قلبه من الشعر حتى لا يكون فيه شيء سواه من القرآن وعلم الدين؛ لأن ذلك لو كان معناه، لوجب أن يكون قلبه لو امتلأ من الخطب والرسائل وأساجيع الكهان حتى لا يكون فيه شيء من القرآن وعلم الدين أن يكون غير مذموم، إذ كان الذم من النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما ورد علينا لمن امتلأ قلبه من الشعر خاصة [1] .

روى مسلم في صحيحه بإسناده عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وعن أبيها: (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «اهجوا قريشًا، فإنه أشد عليها من رشق بالنبل!» .

فأرسل إلى ابن رواحة، فقال: اهجهم! فهجاهم، فلم يرض، فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت.

فلما دخل عليه، قال حسان: قد آن لكم أن تُرسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه! ثم أدْلَع لسانه

(1) "تهذيب الآثار"محمد بن جرير الطبري (2/ 635 - 636) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت