الصفحة 108 من 177

إن واقع المسلمين الحالي يمثّل حجابًا كثيفًا يطمس نور الإسلام، ويُمثّل من ثَمّ صدًّا عن سبيل الله، وبذا يرتكب المسلمين خطيئتين: تقصيرهم في تطبيق الإسلام، وحجبهم أنواره. وليت شعري كيف يستطيع المتخلف حضاريًا أن يُقنع المتحضرين - ولو ماديًا - باعتناق مبدئه؟! يقول العلامة الغزالي:"إن امتلاك الحياة الدنيا عن قدرة وخبرة هو السبيل لنصرة المبادئ" [1] . وهو السبيل أيضًا للحفاظ على كيان الأمة، فالمسلم لن يحميه في المعترك الحضاري إلا يده المؤمنة المتوضئة التي تستخرج معدن الحديد من أطواء الأرض، على حد تعبير الدكتور المؤرخ عماد الدين خليل.

ونحن المسلمين، لن تكون لنا الآخرة إن لم تكن لنا الدنيا؟ فمن عجز عن إعمار دنياه فهو عن إعمار آخرته أعجز. وسيسأل المسلمون في الآخرة عن كيفية مرورهم في الدنيا

{وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسئُولُونَ} [2] .

وتخلف المسلمين هو في الحقيقة تخلفهم عن فهم الإسلام، وعن الارتفاع إلى تطبيقه، وهو الذي أدى إلى تخلفهم عن ضمير العصر وعن صناعة الحياة، فهو انتقام للمبادئ التي خانها أصحابها، يقول الإمام محمد عبده:"كل ما يُعاب على المسلمين ليس من الإسلام، وإنما هو شيء آخر سموه إسلامًا" [3] .

ويقول المفكر عمر حسنة:"هل أخطر من أن نأتي إلى صور من تخلفنا فنرفع فوقها شعارات لتصبح هي الإسلام؟!" [4] ويقول المفكر مالك بن نبي:"التخلف هو عقوبة إلهية أوقعها الإسلام بأتباعه جرّاء تخلّيهم عنه، إن المسلمين تأخروا لأنهم تركوا الإسلام لا لأنهم تمسكوا به، فحق عليهم قوله سبحانه: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [5] ."

(1) (السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث) محمد الغزالي ص (137) .

(2) قرآن كريم (37/ 24) .

(3) (الإسلام والمسيحية مع العلم والمدنية) الإمام محمد عبده ص (115) .

(4) (حتى يتحقق الشهود الحضاري) عمر حسنة ص (115) .

(5) عن (الغزو الثقافي يمتد في فرغنا) للعلامة محمد الغزالي ص (74) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت