الصفحة 130 من 177

وتدعونا أن نقف متأملين: كيف حدث هذا؟! إنه الإسلام الذي جعل من القبائل المتفككة شعبًا عظيمًا، آخت بينه العقيدة، وبهذا الروح القوي الفتي شق العرب طريقهم بعزيمة قوية تحت قيادة حكيمة وضع أساسها الرسول بنفسه ... أو ليس في هذا الإيمان تفسير لذلك البعث الجديد؟! والواقع أن روجر بيكون أو جاليليو أو دافنشي ليسوا هم الذين أسسوا البحث العلمي .. إنما السباقون في هذا المضمار كانوا من العرب الذين لجأوا - بعكس زملائهم المسيحيين - في بحثهم إلى العقل والملاحظة والتحقيق والبحث المستقيم، لقد قدّم المسلمون أثمن هدية وهي طريقة البحث العلمي الصحيح التي مهدت أمام الغرب طريقه لمعرفة أسرار الطبيعة وتسلطه عليها اليوم ... وإن كل مستشفى وكل مركز علمي في أيامنا هذه إنما هي في حقيقة الأمر نُصب تذكارية للعبقرية العربية ... وقد بقي الطب الغربي قرونًا عديدة نسخة ممسوخة عن الطب العربي، وعلى الرغم من إحراق كتب ابن سينا في مدينة بازل بحركة مسيحية عدائية، فإن كتب التراث العربي لم تختف من رفوف المكتبات وجيوب الأطباء، بل ظلت محفوظة يسرق منها السارقون ما شاء لهم أن يسرقوا" [1] ."

وعلى مدى الكتاب كانت المؤلفة تعقد المقارنات بين منهج العرب المسلمين في البحث العلمي وبين ما كان عليه العقل الغربي من تسطّح فتقول:"اتسعت الهوة بين الحضارة العربية الشامخة والمعرفة السطحية في أوربة التي كانت ترى أن من الكفر والضلال القول بأن الأرض كروية، فمعلم الكنيسة لاكتانتيوس يتساءل مستنكرًا: أيعقل أن يُجنّ الناس إلى هذا الحد، فيدخل في عقولهم أن البلدان والأشجار تتدلى من الجانب الآخر من الأرض، وأن أقدام الناس تعلو رؤوسهم؟!!" [2] .

ونحن بدورنا نتعجب من تعجب المعلم! إذ منذ ألف عام توصل فقيه الأندلس ابن حزم إلى الجزم بكروية الأرض منطلقًا من القرآن الكريم ومن التنظيم المطّرد لمواقيت الصلاة في محيط الأرض ... وقد بسط ذلك في كتابه الموسوم (الفصل بين المِلل والنِّحَل) .

ويقول العلامة بريفولت:"ما من ناحية من نواحي الازدهار الأوربي إلا يمكن إرجاع أصلها إلى مؤثرات الثقافة الإسلامية بصورة قاطعة، وإن ما يدين به علمنا لعلم العرب ليس فيما قدموه لنا من كشوف مدهشة ونظريات مبتكرة، بل إنه مدين بوجوده ذاته ... ولم يكن بيكون إلا رسولًا من رسل العلم والمنهج الإسلامي إلى أوربة المسيحية، وهو لم يَملّ قط من التصريح بأن اللغة العربية وعلوم العرب هما الطريق الوحيد لمعرفة الحق [3] .. ولقد انبعثت الحضارة الإسلامية انبعاثًا طبيعيًا من القرآن، وتميزت عن الحضارات البشرية المختلفة بطابع العدل والأخلاق والتوحيد، كما اتسمت بالسماحة والإنسانية والأخوّة العالمية" [4] .

ويقول المفكر ليوبولد فايس:"لسنا نبالغ إذ قلنا إن العصر العلمي الحديث الذي نعيش فيه، لم يُدشّن في مدن أوربة، ولكن في المراكز الإسلامية في دمشق وبغداد والقاهرة وقرطبة" [5] .

"نحن مدينون للمسلمين بكل محامد حضارتنا في العلم والفن والصناعة، وحسب المسلمين أنهم كانوا مثالًا للكمال البشري، بينما كنا مثالًا للهمجية" [6] .

ويقول الكاتب الفرنسي أناتول فرانس في كتابه (الحياة الجميلة) :"أسوأ يوم في التاريخ هو يوم معركة (بواتييه) عندما تراجع العلم والفن والحضارة العربية أمام بربرية الفرنجة، ألا ليت شارل مارتل قطعت يده ولم ينتصر على القائد الإسلامي عبد الرحمن الغافقي"

"حين نتذكر كم كان العرب بدائيين في جاهليتهم يصبح مدى التقدم الثقافي الذي أحرزوه خلال مئتي سنة، وعمق ذلك التقدم، أمرًا يدعو إلى الذهول حقًا، ذلك بأن علينا أن نتذكر أيضًا أن النصرانية احتاجت إلى نحو من ألف وخمسمئة سنة لكي تنشئ ما يمكن أن يدعى حضارة مسيحية، وفي الإسلام لم يُولّ كل من العلم والدين ظهره للآخر، بل كان الدين باعثًا"

(1) (شمس الله تسطع على الغرب) ص (148 - 269 - 315 - 354) .

(2) نفسه ص (370) .

(3) (بناء الإنسانية) رويلت بريفولت نقلًا عن (مقدمات العلوم والمناهج) أنور الجندي، مجلد4 ص (710) .

(4) عن (أخطر ما تواصى به المسلمون عبر الأجيال) أنور الجندي (16) .

(5) (الإسلام على مفترق الطرق) محمد أسد (40) .

(6) هنري شامبون عن (الإسلام والمبادئ المستوردة) د. عبد المنعم النمر (84) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت