الصفحة 158 من 177

القابلية للاستعمار

لا أتصور أن هناك إنسانًا يرى الاستعمار يدوس أعناقنا في كل مكان، ثم يمجّد هذا الاستعمار! إنني أشك في إنسانية أولئك الذين ولّوا وجوههم شطر الدولار! أشك في إنسانيتهم لأن أول خصائص الإنسان أن يشعر بكرامة الإنسان، إن الاستعمار لا يغلبنا بالنار، بل بقابليتنا للاستعمار. ويغلبنا بأولئك الذين استُعمرت أرواحهم، وبتلك الأقلام التي تُغمس في مداد الذل والهوان الروحي لتكتب عن أمجاد الغرب! إن أخطر ما يهدد حصوننا هم أُجراء الثقافة الغربية، وفسائل مختبراتها التي لا تثمر إلا الفكر اللقيط.

في ذلّة المظلوم عذرُ الظالمِ ... أنصفتَ مظلومًا فأنصِف ظالمًا

شرٌّ من العادي الظّلوم الغاشمِ ... من يرض عدوانًا عليه يُضيره

وها هو ذا الغرب يسقط في كل امتحان أخلاق، وينكشف للعالم ضميره المتعفن في موقفه من مجزرة جنين، هذا هو الغرب الذي لا يفهم إلا بمنطق القوة، ولا ينظر إلا بعين المرابي مصاص الدماء، ولا يتكلم إلا بلغة المتعجرف المغرور.

والعدلُ فلسفةَ اللهيب الخابي ... أضحى السلامُ حقيقةً مكذوبةً

وتصادم الإرهابُ بالإرهابِ [1] ... لا عدل إلا إن تعادلت القُوى

نحسب الشهد في جحور الأفاعي

ومن عجبٍ أننا لا نكتفي بالسكوت عن اليد التي تمتدُّ إلينا بالشر، بل نُقبِّلها!! إذا عجزنا عن تحطيم تلك اليد، فلا أقل من أن نعترف أمام أولادنا بشجاعة أننا عاجزون علّهم يقدرون.

(1) البيتان للشاعر =أبو القاسم الشابي+.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت