الصفحة 13 من 62

إن جميع الوظائف الفسيولوجية قائمة و مستمرة في أثناء النوم . و جميع الأفعال المنعكسة و اللاإدارية تحدث بانتظام . فالقلب يدق و النَفَس يتردد و الغدد تفرز و الأحشاء تتلوى و الأعضاء التناسلية تهتاج و الذراع ينقبض لشكّة الدبوس .. ومع ذلك فنحن أمام رجل نائم أشبه بشجرة .. مجرد شجرة .. أو حياة بدائية لا تختلف عن الحياة الحشرية . فأين الإنسان ؟

إن النوم ثم اليقظة و هو النموذج المصغر للموت ثم البعث , يكشف لنا مرة أخرى عن ذلك العنصر المتعالي الذي يخلق بحضوره في تلك الجثة النائمة فجأة و بلا مقدمات هتلر أو نيرون فإذا بذلك الممد كالثور الهامد يصحو ليقتل و يغزو و يسحق و يمحق و إن الفرق لهائل أكبر من أن يفسر بتغير مادي يتم في لحظات .

و الماديّون يقولون إن النفس حقيقة موضوعية و بالتالي هي مادة .

و نحن نسأل كيف تكون النفس موضوعًا ؟ و موضوع بالنسبة لمن .. ؟ موضوع بالنسبة للآخرين ؟ و كيف ؟! و الآخرون لا يرونها و لا يدركون وجودها إلا استنباطًا من ظواهر السلوك .. و هي ظواهر أغلبها كاذب .. فكل منّا يمثل على الناس بل يمثل على نفسه و سلوكه الظاهر قلما يدل عليه .

أم هي موضوع بالنسبة لصاحبها ؟

و كل منا لو اتخذ نفسه موضوعًا فإنها تبرد و تستحيل تحت مشرط التحليل إلى جثة , و تستخفي و تهرب من يديه لأنها لا يمكن أن تكون موضوعًا و لا أن توضع تحت مجهر مثل ورقة شجرة , لأن جوهرها بالدرجة الأولى في ذاتيتها , و حقيقتها أنها الوجه الآخر من الصورة فهي الذات في مقابل الجسد إلى هو موضوع .. و كلا القطبين الذات و الموضوع هما وجها الحقيقة .. فإذا عرّفنا المادة بأنها كل ما هو موضوعي فلا بد من الاعتراف بأن هناك في الوجود شيئًا آخر غير المادة هو الوجه الآخر من الحقيقة الذي هو الذات .

و تقودنا عملية الإدراك إلى إثبات أكيد بأن هناك شيئين في كل لحظة .. الشيء المدرك و النفس المدركة خارجه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت