لو قلنا هذا فنحن أمام تفسير مادي متهافت فما هكذا حقيقة النفس و لا حقيقة الإنسان .. و أعود إلى صفحات كتاب لغز الموت و لغز الحياة حيث ناقشت الموضوع بالتفصيل .
إن الإنسان ليضحي بلقمته و بيته و فراشه الدافئ في سبيل أهداف و مُثل و غايات شديدة التجريد كالعدل و الحق و الخير و الحرية .. فأين حوافز الجوع و الجنس هنا ؟ .. و المحارب المقاتل في الميدان الذي يضحي بنفسه على مدفعه في سبيل غد لم يأت بعد .. أين هو من التفسير المادي ؟ إننا أمام إثبات قاطع بأن النفس و الذات حقيقة متجاوزة و عالية على الجسد ة ليست مجرد احتياجات الجسد الحسية معكوسة في مرآة داخلية .
تلك الإدارة الهائلة التي تدوس على الجسد و تضحي به هي حقيقة متجاوزة عالية بطبيعتها و آمرة و مهيمنة على الجسد و ليست للجسد تبعًا و ذيلًا .
و إذا كنت أنا الجسد فكيف أتحكم في الجسد و أخضعه ؟
و إذا كنت أنا الجوع فكيف أتحكم في الجوع ؟
إن مجرد الهيمنة الداخلية على جميع عناصر الجسد و مفردات الغرائز هي الشهادة الكاشفة عن ذلك العنصر المتعالي و المفارق الذي تتألف منه الذات الإنسانية .
عن طريق النفس أتحكم في الجسد .
و عن طريق العقل أتحكم في النفس .
و عن طريق البصيرة أضع للعقل حدوده .
هذا التفاضل بين وجود ووجود يعلو عليه و يحكمه هو الإثبات الواقعي الذي يقودنا إلى الروح كحقيقة عالية متجاوزة للجسد و حاكمة عليه و ليست ذيلًا و تابعًا تموت بموته .
و الذي يقول إن الإنسان مجموعة وظائف فسيولوجية مادية لا غير عليه أن يفسر لنا أين يذهب ذلك الإنسان في لحظة النوم .