اعتقدت أن الشخصية ليست سوى انفصال محدد لصفات معينة بتأثير تجارب حية و أفعال منعكسة عصبية .. بعضها موروث في شكل غرائز و بعضها مكتسب عن طريق الممارسة الحسية .. و هذه الممارسة تسجل في المخ و تنطبع على الذاكرة . فإذا انتهى المخ و تعفنت خلايا الذاكرة فلا محل لافتراض بقاء آخر روحاني لهذا الترابط المادي البحت .
بهذا الفهم المادي المسطح تصورت الإنسان في البداية , و كنت أقول لنفسي إن الشخصية ليست شيئًا واحدًا و إنما هي سيل من الشخصيات المختلفة لا تنقطع عن الجريان .. فشخصيتي في سن العاشرة غيرها في سن العشرين غيرها في سن الثلاثين .. و في كل لحظة هناك شيء يضاف إلى نفسي و شيء ينقص منها .. فأية واحدة من هذه النفوس سوف تبعث و تعاقب ؟
و هؤلاء المصابون بانقسام الشخصية أيهما سوف يذهب إلى العالم الآخر الدكتور جيكل أم مستر هايد ؟
و نسيت بهذا التلاعب اللفظي الحقيقة الأولية البسيطة أننا حينما نطبع من الكتاب طبعة ثانية فإننا لا نطبع صفحةً أو فصلًا , و إنما نطبعه كله في أصوله ليصدر كلّه في أصوله .
و هكذا يكون بعث الروح ككل بكل فصولها و أصولها كما تنبت البذرة من ظلام الأرض حاوية لكل إمكانيات الفروع و الأوراق و الثمار .
و لكن النظرة المادية التي تميل بطبيعتها إلى التحليل و التشريح و التقطيع كانت هي الغالبة طول الوقت و لهذا كانت تغيب عني دائمًا صورة الأمور في كليتها و كنت أتصور أني يمكن أن أفهم الروح إذا شرحت الجسد إذ لا فرق بين الاثنين
الروح هي البدن
و العقل هو المخ
و الشخصية هي ردود الفعل و مجموع الأفعال المنعكسة
و العاطفة في نهاية الأمر جوع جسماني .
و نقف الآن وقفة طويلة لنسأل: هل صحيح أن النفس ما هي إلا مجرد حوافز الجوع و الجنس و مجموعة الاستشعارات التي يدرك بها الجسد ما يحتاجه ؟