الصفحة 62 من 70

لا يستقيم طيرانه إلا بالجناحين كليهما, فالأصل عند أهل السنة استواء الخوف والرجاء, فالخوف مانع من الوقوع فيما نهى الله أو ترك ماأمر الله به والرجاء يدفع العبد لاستطلاع ثواب الله تعالى ورحمته ومغفرته وقبول عمله, ومن المعلوم في الفطر السليمة أن الأمن من مكر الله واليأس من روح الله أمران خطيران يوصلان العبد إلى الهلكة والنجاة هو خلطهما وعبادة الله تعالى بهما, ولكن وإن كان الأصل استواءهما في قلب العبد إلا أنه يغلب أحدهما إذا توفرت مقتضياته فعند الموت وحلول سكراته يغلب جانب الرجاء حتى يوصله ذلك إلى إحسان الظن بربه جلَّ وعلا, وكذلك عند توبته من الذنوب والمعاصي يغلب جانب الرجاء أيضًا حتى لا يقنط من توبة الله عليه, وأما عند الصحة والغنى وخوف الوقوع في المعصية فإنه يغلب جانب الخوف, فإذا ورد لأحدهما سبب أو حالة تقتضي تغليب أحدهما فاليغلبه وإلا فالأصل استواءهما, وقول أهل السنة هذا هو القول الوسط لأنه أخذ بكل أطراف الأدلة وعمل بكل النصوص الواردة في هذا الشأن, وذلك لأن أهل السنة- رحمهم الله تعالى- وسط بين فرق الأمة كوسطية الأمة بين الأمم, فانظر كيف بركة هذه القاعدة والتي جمعت أبوابًا شتى من أبواب الاعتقاد وهذا يفيدك أنه لابد من دراستها وتدريسها وإكثار الكتابة فيها وتنويع الطرح فيها حتى تتشربها القلوب ويترسخ مضمونها في النفوس والعقول وهذا مانقصده من هذه الكتابة فإنه ما حصلت بليّة إلا بسبب مخالفة منهج الوسطية إما إلى إفراطٍ وإما إلى تفريط والله ربنا أعلى وأعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت