فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 217

5 -جواز وصف الله بالمكر على سبيل المقابلة، فلا يجوز أن يوصف به على الإطلاق، فلا نقول إن الله ماكر، وإنما تذكر هذه الصفة في مقام يكون مدحًا، مثل قوله تعالى: {ويمكرون ويمكر الله} وقوله تعالى: {ومكروا مكرًا ومكرنا مكرًا وهم لا يشعرون} .

وقوله: {ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون} . الحجر (56)

ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ

القنوط: استبعاد الفرج واليأس منه، وهو يقابل الأمن من مكر الله، وكلاهما ذنب عظيم.

ونبه المصنف رحمه الله بهذه الآية على أنه لا يجوز لمن خاف أن يقنط من رحمة الله، بل يكون خائفًا راجيًا، يخاف ذنبه ويعمل بطاعته ويرجو رحمته، كما قال تعالى: {أمّن هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه} .

وقال تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم} .

فذكر سبحانه أنهم يرجون رحمة الله مع الاجتهاد بالأعمال الصالحة.

ومعنى الآية:

قوله تعالى: {ومن يقنط} حكاية قول إبراهيم - عليه السلام - لما بشرته الملائكة بولده وإسحاق - عليه السلام -، فقال: {أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون} استبعادًا لوقوع هذا في العادةى مع كبر السن منه ومن زوجته، قالوا: {بشرناك بالحق} الذي لا ريب فيه، بل هو أمر الذي: {إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون} وإن بعد مثله في العادة التي أجراها، فإن ذلك عليه يسير إذا أراده، فلا تكن من القانطين، أي لا تيأس من رحمة الله، قال إبراهيم: {ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون} .

فإنه يعلم من قدرة الله وحكمته ما هو أبلغ من ذلك وأعظم، لكنه ـ والله أعلم ـ قال ذلك على وجه التعجب.

{إلا الضالون} قال بعضهم: إلا المخطئون طريق الصواب، أو الكافرون، لقوله تعالى: {لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرين} .

مناسبة الآية للباب:

حيث دلت الآية الكريمة على تحريم القنوط من رحمة الله.

ما يستفاد من الآية:

1 -تحريم القنوط من رحمة الله، لأنه سوء ظنٍّ بالله، وذلك من وجهين:

الوجه الأول: أنه طعن في قدرته سبحانه.

الوجه الثاني: أنه طعن في رحمته سبحانه.

2 -إثبات صفة الرحمة لله سبحانه وتعالى على وجه يليق بجلالة.

3 -القنوط من رحمة الله من علامات الجهل والضلال.

عن ابن عباس: (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الكبائر؟ فقال: الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله) . أخرجه البزار كما في الكشف (106)

ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ

(الكبائر) جمع كبيرة، والمراد بها كبائر الذنوب.

(الشرك بالله) هذا أكبر الكبائر، إذ مضمونه تنقيص رب العالمين، وإلههم ومالكهم وخالقهم الذي لا إله إلا هو، وعدل غيره به، كما قال تعالى: {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون}

فهو أظلم الظلم وأقبح القبح.

(واليأس من روح الله) أي قطع الرجاء والأمل من الله فيما يقصده، وذلك إساءة ظنٍّ بكرم الله ورحمته وجوده ومغفرته.

(والأمن من مكر الله) أي من استدراجه للعبد، وسلبه ما أعطاه من الإيمان ـ نعوذ بالله من غضبه ـ وذلك جهل بالله وبقدرته.

انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر:

واعلم أن هذا الحديث لم يرد فيه حصر الكبائر فيما ذكر، بل الكبائر كثيرة، لكن ذكر ما هو أكبرها، ولهذا قال ابن عباس: (هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت