فهرس الكتاب
إلى قوله: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا} .
... النساء (60 _ 56)
ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ
{ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ... } ينكر الله تبارك وتعالى على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء من قبله، وهو في ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله - عليه السلام -.
قال ابن القيم: " وفي هذا دليل على أن من دعي إلى تحكيم الكتاب والسنة فلم يقبل وأبى، أنه من المنافقين ".
وقد سمى الله تعالى الحكم بغير ما شرعه طاغوتًا، قال تعالى: {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ... } .
والطاغوت عام، فكل ما عبد من دون الله ورضي بالعبادة من معبود أو متبوع أو مطاع في غير الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، فهو طاغوت، والطاغوت يجب الكفر به حتى يتم التوحيد، قال تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها} .
المعنى الإجمالي للآيات:
أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ أنكر على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء من قبله، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، ويحاكم إلى الطاغوت الذي أمر الله عباده أن يكفروا به، ولكن الشيطان يريد أن يضل هؤلاء المتحاكمين إلى الطاغوت عن سبيل الهدى والحق ويبعدهم عنه، وإذا دعي هؤلاء إلى التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله أعرضوا إعراض استكبار وتمنع ــ فماذا يكون حالهم وصنيعهم إذا نزلت بهم المصائب واحتاجوا إلى الرسول في ذلك؟! ليدعوا الله لهم ويحل مشاكلهم ــ وجاءوهم يعتذرون عما صدر منهم بأنهم لم يريدوا مخالفته في عدو لهم إلى غيره، وإنما أراد الإصلاح والتأليف بين الناس.
فيبدون هذه الأعذار الباطلة ليبرروا فعلهم حينما يفتضحون.
وقوله تعالى: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} . الأعراف (56)
ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ
{ولا تفسدوا} الإفساد على قسمين:
القسم الأول: إفساد حسي مادي، وذلك مثل هدم البيوت، وإفساد الطرق، وما أشبه ذلك.
القسم الثاني: إفساد معنوي، وذلك بالمعاصي، فهي من أكبر الفساد في الأرض، قال تعالى: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} .
وقال تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير} .
وقال تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون} .
قال ابن القيم: " قال أكثر المفسرون: لا تفسدوا فيه بالمعاصي بالدعاء إلى غير طاعة الله، بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسل وبيان الشريعة، والدعاء إلى طاعة الله، فإن عبادة غير الله والدعوة إلى غيره، والشرك به، هو أعظم فساد في الأرض، بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو بالشرك به ومخالفة أمره، فالشرك والدعوة إلى غير الله، وإقامة معبود غيره، ومطاع متبع غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، هو أعظم الفساد في الأرض، ولا صلاح لها ولا لأهلها إلا بأن يكون الله وحده هو المعبود المطاع، والدعوة له لا لغيره، والطاعة والاتباع لرسوله ليس إلا ". أ. هـ
مناسبة الآية للباب:
أن التحاكم إلى غير الله ورسوله من أعظم ما يفسد في الأرض من المعاصي، فلا صلاح لها إلا بتحكيم كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وهو سبيل المؤمنين، كما قال تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويبتغ غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا} .
ما يستفاد من الآية:
1 -النهي عن الإفساد في الأرض على أي وجه كان.
2 -كل صلاح في الأرض فسببه طاعة الله وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
3 -التحذير من تحكيم النظم والقوانين المخالفة للشريعة، وإن ادعى أصحابها أن قصدهم الإصلاح.
4 -أن دعوى الإصلاح ليست بعذرٍ في ترك ما أنزل الله.
5 -التحذير من الإعجاب بالرأي.