ذكر عز وجل عن هؤلاء الكفار أنهم يحبون أندادهم كحب الله، فدل هذا على أنهم يحبون الله حبًا عظيمًا، ولم يدخلهم في الإسلام، فكيف بمن أحب الندَّ حبًا أكبر من حب الله؟! فكيف بمن لم يحب إلا الند وحده ولم يحب الله؟!
مناسبة الآية للترجمة:
حيث دلت على أن معنى التوحيد شهادة أن لا إله إلا الله هو: إفراد الله بأصل الحب الذي يستلزم إخلاص العبادة جميعها لله.
من فوائد الآية:
1 -أن معنى التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله إفراد الله تعالى بالمحبة المقتضية للذل والخضوع.
2 -إثبات أن المشركين يحبون الله، لكن مع هذا لم ينفعهم لوجود الشرك فيه.
3 -نفي الإيمان عمَّن أشرك مع الله في المحبة.
قال ابن القيم:(وههنا أربعة أنواع من المحبة يجب التفريق بينها، وإنما ضل من ضل بعدم التمييز بينها:
أحدها / محبة الله ولا تكفي وحدها في النجاة من عذاب الله والفوز بثوابه، فإن المشركين وعباد الصليب واليهود وغيرهم يحبون الله.
الثاني / محبة ما يحب الله، وهذه هي التي تدخله في الإسلام وتخرجه من الكفر، وأحب الناس إلى الله أقومهم بهذه المحبة، وأشدهم فيها.
الثالث / الحب لله وفيه، وهي من لوازم محبة ما يحب الله.
الرابع / المحبة مع الله، وهي المحبة الشركية، وكل من أحب شيئًا مع الله، لا لله ولا من أجله ولا فيه، فقد تخذه ندًّا من دون الله، وهذه محبة المشركين).
م / (وفي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حَرُم ماله ودمه وحسابه على الله عزَّ وجل") . رواه مسلم (25)
ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ
(حرم ماله ودمه) أي مُنِع أخذ ماله وقتله بناء على ما ظهر منه.
(وحسابه على الله) أي الله تبارك وتعالى هو الذي يتولى أمر حسابه، فإن كان صادقًا جازاه بجنات النعيم، وإن كان منافقًا عذبه العذاب الأليم، وأما في الدنيا فالحكم على الظاهر.
ـ اعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علق عصمة المال والدم بأمرين:
الأول / قول لا إله إلا اله.
الثاني / الكفر بما يعبد من دون الله.
فلم يكتف باللفظ المجرد عن المعنى، بل لا بد من قولها والعمل بها.
المعنى الإجمالي للحديث:
قال المصنف: (هذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله، فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصمًا للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع التلفظ بها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم دمه وماله حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإن شك أو تردد لم يحرم ماله ودمه، فيالها من مسألة ما أجلها، وياله من بيان ما أوضحه، وحجة ما أقطعها للمنازع) . أ. هـ
مناسبة الحديث للباب:
أنه من أعظم ما يبين لا إله إلا الله، وأنه الكفر بكل ما يعبد من دون الله.
من فوائد الحديث:
1 -أن معنى لا إله إلا الله هو الكفر بما يعبد من دون الله من الأصنام والقبور وغيرها.
2 -أن مجرد التلفظ بلا إله إلا الله مع عدم الكفر بما يعبد من دون الله لا يحرم الدم والمال ولو عرف معناها وعمل بها ما لم يضف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله.
3 -أن من أتى بالتوحيد ولم يأتِ بما ينافيه ظاهرًا، والتزم شرائع الإسلام، وجب الكف عنه.
4 -فضيلة الإسلام، حيث يعصم دم معتنقه وماله.
5 -أن الحكم في الدنيا على الظاهر وأما في الآخرة فعلى النيات والمقاصد.