م/ (قوله: {قل تعالوا أتلو ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانًا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون. ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسًا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون. وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ... ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} المائدة.
ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ
قال ابن كثير:(يقول الله تعالى لنبيه ورسوله محمد - عليه السلام: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله، وحرموا ما رزقهم الله، وقتلوا أولادهم، كل ذلك فعلوه بآرائهم الفاسدة، وتسويل الشيطان لهم.
{تعالوا} أي: هلمّوا وأقبلوا.
{أتلُ ما حرم ربكم عليكم} أي: أقصص عليكم وأخبركم بما حرم ربكم عليكم حقًا، لا تخرُّصًا ولا ظنًّا.
{ألا تشركوا به شيئًا} قال: وكأن في الكلام محذوفًا دل عليه السياق، وتقديره: وصاكم ألا تشركوا به شيئًا)
# وابتدأ الله تعالى هذه الآيات المحكمات بتحريم الشرك والنهي عنه، فدل أن التوحيد أوجب الواجبات، وأن الشرك أعظم المحرمات.
ولفظ الشرك يدل على أن المشركين كانوا يعبدون الله، ولكن يشركون به غيره من الأوثان والصالحين والأصنام، ولهذا سئلوا عما يقول لهم، قالوا: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، كما قاله أبو سفيان.
{وبالوالدين إحسانًا} أي: وأتل عليكم الأمر بالإحسان إلى الوالدين.
قال القرطبي: الإحسان إلى الوالدين: برهما وحفظهما وصيانتهما وامتثال أمرهما وإزالة الرق عنهما.
{ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم} هذه الوصية الثالثة وهي تحريم قتل الأولاد (الأولاد في اللغة العربية يشمل الذكر والأنثى) بسبب الإملاق وهو الفقر، وكانوا في الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الفقر.
{ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن}
قال ابن عطية: نهي عام عن جميع الفواحش، وهي المعاصي.
{ما ظهر منها وما بطن} قيل: ما ظهر فحشه وما خفي، وقيل: ما أظهرتموه وما أسررتموه، وفي الصحيحين عن ابن مسعود مرفوعًا:"لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن"
{ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} النفس التي حرم الله هي النفس المعصومة، وهي: نفس المسلم والذمي والمعاهد والمستأمن.
قال ابن كثير: هذا مما نص تعالى على النهي عنه تأكيدًا، وإلا فهو داخل في النهي عن الفواحش.
قال تعالى: {ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا} .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"اجتنبوا السبع الموبقات ... وذكر منها: قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق"متفق عليه
وقال - عليه السلام:"لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا". رواه النسائي
والحق الذي أثبته الشرع في قتل النفس المعصومة، ما جاء في الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم:"لا يحل دم امريء مسلم إلا بثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة"متفق عليه
{ذلكم وصاكم به} المشار إليه ما سبق من هذه المحرمات، والوصية: هي الأمر المؤكد المقرر
{لعلكم تعقلون} لعل: للتعليل أن الله وصانا بهذه الوصايا، وأمرنا بهذا، وأكد علينا فيها لنعقلها ونعمل بها.
{ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده} هذا حماية لأموال اليتامى أن لا نقربها إلا بالخصلة التي هي أحسن، فإذا لاح للولي تصرفات أحدهما أكثر ربحًا فالواجب عليه أن يأخذ بما هو أكثر ربحًا لأنه أحسن
اليتيم هو من مات أبوه وهو صغير.
{حتى يبلغ أشده} قال مالك وغيره: هو الرشد وزوال السفه مع البلوغ بعد أن نختبره.
{وأوفوا الكيل والميزان بالقسط} قال ابن كثير:
(يأمر تعالى بإقامة العدل في الأخذ والعطاء، كما توعد عليه في قوله تعالى: {ويلٌ للمطففين، الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون ... } ) . أ. هـ
وقد أهلك الله أمة من الأمم كانوا يبخسون المكيال والميزان وهم قوم شعيب.
{لا نكلف نفسًا إلا وسعها} قال ابن كثير: