فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 217

(حتى إذا هلك أولئك) أي الذين صوروا تلك الأصنام.

(ونُسِيَ العلم) وفي رواية (وينسخ) أي: درست آثاره بذهاب العلم، وزالت المعرفة بحالها، وما قصدوه من صورها، وعمَّ الجهل حتى صاروا لا يميزون بين التوحيد والشرك، فوقعوا في الشرك، ظنًا منهم أنه ينفعهم عند الله تعالى.

(عُبِدَت) تقدم أنه دبَّ إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يُسقون المطر، فعبدوهم.

وفي رواية أنهم قالوا: (ما عظم أولنا هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم عند الله، فعبدوهم) .

فهو ـ أي إبليس ـ الذي زيّن لهم عبادة الأصنام، وأمرهم بها، فصار هو معبودهم في الحقيقة، كما قال تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لاتعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين. وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم. ولقد أضل منكم جبلًا كثيرًا أفلم تكونوا تعقلون} .

(قال ابن القيم) هو الإمام العلامة محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي، المعروف بابن قيم الجوزية، تلميذ شيخ الإسلام، وصاحب المصنفات الكثيرة في فنون العلم، مات عام 751 هـ.

(لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم. . . ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم) أي طال عليهم الزمان ونسوا ما قصده الأولون، بتصوير صورهم فعبدوهم.

فتبين أن مبدأ الشرك بالصالحين هو الغلو فيهم.

المعنى الإجمالي:

يفسر ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ هذه الآية الكريمة بأن هذه الآلهة التي ذكر الله أن قوم نوح تواصوا بالاتمرار في عبادتها بعدما نهاهم نبيهم نوح - عليه السلام - ـ عن الشرك بالله ـ أنها في الأصل أسماء رجال صالحين منهم، غلوا فيهم بتسويل الشيطان لهم حتى نصبوا صورهم، فآل الأمر بهذه الصور إلى أن صارت أصنامًا تعبد من دون الله.

وما ذكره ابن القيم هو بمعنى ما ذكره البخاري إلا أنه ذكر أن عكوفهم على قبورهم كان قبل تصويرهم، فهو يضيف إلى ما سبق أن العكوف على القبور سبب لعبادتها أيضًا.

مناسبة الآية للباب:

حيث دلت الآية أن الغلو في الصالحين شرك، وذلك أن الغلو فيهم صرف شيء من حقوق الله الخاصة به لهم، وذلك إشراك لهم مع الله.

من فوائد الآية:

1 -الحذر من الغلو ووسائل الشرك، وإن كان القصد منها حسنًا، فإن الشيطان أدخل أولئك في الشرك من باب الغلو في الصالحين، والإفراط في محبتهم.

2 -قال الشيخ السعدي رحمه الله: " الناس في معاملة الصالحين ثلاثة أقسام:

القسم الأول: أهل الجفاء الذين يهضمونهم حقوقهم، ولا يقومون بحقهم من الحب والوالاة لهم والتوقير والتبجيل.

القسم الثاني: أهل الغلو الذي يرفعونهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله بها.

القسم الثالث: أهل الحق الذين يحبونهم ويوالونهم ويقومون بحقوقهم الحقيقية، ولكنهم يبرؤون من الغلو فيهم وادعاء عصمتهم.

والصالحون أيضًا يبرؤون من أن تدعو لأنفسهم حقًا من حقوق ربهم الخاصة، كما قال تعالى عن عيسى:

{سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} " أ. هـ.

وفي القصة فوائد نبه المصنف إلى بعضها، منها:

1 -أن من فهم هذا الباب وما بعده تبين له غربة الإسلام، ورأى من قدرة الله وتقليبه القلوب العجب.

2 -ومنها: أن أول شرك حدث في الأرض سببه محبة الصالحين، أي المحبة التي فيها غلو.

3 -ومنها: معرفة أول شيء غير به دين الأنبياء.

4 -معرفة سبب قبول البدع، مع كون الشرائع والفطر تنكرها، وأن سبب ذلك كله مزج الحق بالباطل، بأمرين:

الأمر الأول: محبة الصالحين.

الأمر الثاني: فِعْلُ أُناسٍ من أهل العلم والدين شيئًا أرادوا به خيرًا فظن من بعدهم أنهم أرادوا غيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت