فهرس الكتاب
قال الشيخ القاري معللًا النهي: " لما فيه من التعظيم البالغ، كأنه من مرتبة المعبود، ولو كان هذا التعظيم حقيقة للقبر أو لصاحبه لكفر المعظم. . . " أ. هـ
وأما المعنى الثالث (بناء المساجد عليها. . .) :
هذا المعنى هو الذي أشارت إليه السيدة عائشة، تقول في آخر الحديث:. . . (فلولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا) .
إذ المعنى: فلولا ذلك اللعن الذي استحقه اليهود والنصارى بسبب اتخاذهم القبور مساجد المستلزم البناء عليها، لجعل قبره - صلى الله عليه وسلم - في أرض بارزة مكشوفة، لكن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ لم يفعلوا ذلك خشية أن يبنى عليه مسجد من بعض من يأتي بعدهم فتشملهم اللعنة.
وجملة القول:
أن الاتخاذ المذكور في الأحاديث المتقدمة يشمل كل هذه المعاني الثلاثة، فهو من جوامع كلمه - صلى الله عليه وسلم -.
ثالثًا: حكم اتخاذ المساجد على القبور:
إن من يتأمل تلك الأحاديث الكريمة يظهر له أن الاتخاذ حرام بل كبيرة من الكبائر، لأن اللعن الوارد فيها ن ووصف المخالفين بأنهم شرار الخلق عند الله تبارك وتعالى، لا يمكن أن يكون في حق من يرتكب ما ليس كبيرة كما لا يخفى.
قال شيخ الإسلام في الاختيارات العلمية: " ويحرم الإسراج على القبور، واتخاذ المساجد عليها، وبنيها ويتعين إزالتها، ولا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين ".
رابعًا: شبهات!! والواجب عليها:
الشبهة الأولى / قد يقول قائل: إذا كان من المقرر شرعًا تحريم بناء المساجد على القبور، فهناك أمور كثيرة تدل على خلاف ذلك:
أ. قوله تعالى: {قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذنّ عليهم مسجدًا} .
ووجه الدلالة: أن الذين قالوا هذا القول كانوا نصارى، على ما هو مذكور في كتب التفسير، فيكون اتخاذ المسجد على القبر من شريعتهم وشريعة من قبلنا شريعة لنا.
والجواب على هذه الشبهة:
1. (أن شريعة من قبلنا شريعة لنا) هذا مشروط عند أصحاب هذا القول، بما إذا لم يرد في شرعنا ما يخالفه، وهذا الشرط معدوم هنا، لأن الأحاديث تواترت في النهي عن البناء المذكور كما سبق.
2.أنه لا يسلّم أن الآية تفيد أن ذلك كان شريعة من قبلنا، غاية ما فيها أن جماعة من الناس قالوا: {لنتخذنّ عليهم مسجدًا} فليس فيها التصريح بأنهم كانوا مؤمنين.
فلا يصح الاحتجاج بالآية.
الشبهة الثانية / كون قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسجده الشريف، ولو كان ذلك لا يجوز، لما دفنوه - عليه السلام - في مسجده.
والجواب عن هذه الشبهة:
أن هذا وإن كان هو المشاهد اليوم، فإنه لم يكن كذلك في عهد الصحابة رضي الله عنهم، فإنه لما مات - صلى الله عليه وسلم - دفنوه في حجرته التي كانت بجانب مسجده، وكان يفصل بينهما جدار فيه باب كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخرج منه إلى المسجد، وهذا أمر معروف مقطوع به عند العلماء، وإنما فعلوا ذلك كي لا يتمكن أحد بعدهم من اتخاذ قبره مسجدًا، ولكن وقع بعدهم: أن الوليد بن عبد الملك أمر سنة ثمان وثمانين بهدم المسجد النبوي وإضافة حُجَر أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليه، فأدخل فيه الحجرة النبوية حجرة عائشة، فصار القبر بذلك في المسجد، ولم يكن في المدينة النبوية أحدٌ من الصحابة حينذاك.
الشبهة الثالثة / صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسجد الخيف مع أن فيه قبر سبعين نبيًا، كما قال - عليه السلام -.
والجواب عن هذه الشبهة:
نقول: أننا لا نشك في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسجد الخيف، لكن ما ذُكِر أنه دفن فيه سبعون نبيًا لا صحة فيه من وجهين: