فهرس الكتاب
والثانية / فتنة التماثيل، أي الصور، فإنهم لما فتتنوا بقبور الصالحين وعظموها، وبنوا عليها المساجد، وصوّروا فيها الصور لقصد تذكر أعمالهم ـ أي الصالحين ـ فآل الأمر إلى أن عُبِدَت الصور ومن هي صورته من دون الله.
وهاتان الفتنتان هما سبب عبادة الصالحين.
(لما نزل) أي نزل ملك الموت.
(طفق) جعل.
(قميصه) كساء له أعلام.
(لعن الله اليهود والنصارى) لعنهم - صلى الله عليه وسلم - على هذا الفعل بعينه، وهو اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، أي كنائس وبيَع يتعبدون ويسجدون فيها لله، وإن لم يسموها مساجد، فإن الاعتبار بالمعنى لا بالاسم، ومثل ذلك القباب والمشاهد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين، فإنها هي المساجد الملعون من بناها على قبورهم.
(ولولا ذلك لأبرز قبره) أي لولا تحذير النبي - صلى الله عليه وسلم - ما صنعوا، ولعن من فعل ذلك لدفن خارج بيته.
(غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا) وروي بفتح الخاء أو ضمها.
فأما رواية الفتح: فإنها تقتضي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الذي أمرهم بذلك.
وأما رواية الضم: فيحتمل أن تكون عائشة هي التي خشيت.
مناسبة الأحاديث للباب:
دلت الأحاديث على التحذير من بناء المساجد على القبور لما في ذلك من تعظيم أصحابها، والتعظيم عبادة، وصرف العبادة لغير الله شرك.
مسائل:
أولًا: أحاديث في النهي عن اتخاذ القبور مساجد:
أ. حديث عائشة ـ حديث الباب ـ: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، قالت: فلولا ذلك ... ) . متفق عليه
ب. عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) .متفق عليه
ج. حديث عائشة: (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما حضرته الوفاة، جعل يلقي على وجهه طرف قميصة له، فإذا اغتم كشف عن وجهه وهو يقول:(لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) .
قال الحافظ ابن حجر: " وكأنه - صلى الله عليه وسلم - علم أنه مرتحل من ذلك المرض، فخاف أن يعظم قبره كما فعل من مضى فلعن اليهود والنصارى إشارة إلى ذم من يفعل فعلهم " أ. هـ
د. عن الحارث النجراني قال: (سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يموت بخمس، وهو يقول:(ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك) . رواه ابن أبي شيبة
ثانيًا: ما معنى اتخاذ القبور مساجد؟
لقد تبين من الأحاديث السابقة خطر اتخاذ القبور مساجد وما على ذلك من الوعيد الشديد عند الله، فعلينا أن نفقه معنى الاتخاذ المذكور حتى نحذره.
معنى اتخاذ القبور مساجد، نقول: أنه يشمل ثلاث معانٍ:
أ. الصلاة على القبور، بمعنى السجود عليها.
ب. السجود إليها واستقبالها بالصلاة والدعاء.
ج. بناء المساجد عليها، وقصد الصلاة فيها.
وبكل واحد من هذه المعاني قال طائفة من العلماء، وجاءت بها نصوص صريحة عن سيد الأنبياء - عليه السلام -.
فأما المعنى الأول:
يشهد له حديث أبي سعيد الخدري: (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يبنى على القبور أو يقعد عليها أو يصلى عليها) . رواه أبو يعلى
وعن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تصلوا إلى قبر ولا تصلوا على قبر) . رواه الطبراني
وأما المعنى الثاني:
فقد جاء ما يشهد له من حديث أبي مرثد الغنوي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها) رواه مسلم