فهرس الكتاب
2 -وقد أمرنا الله عز وجل بمحبة أوليائه وإنزالهم منازلهم من العبودية، وسلب خصائص الإلهية عنهم، وهذا غاية تعظيمهم وطاعتهم، ونهانا عن الغلو فيهم، فلا نرفعهم فوق منزلتهم ولا نحطهم منها، لما يعلمه تعالى في ذلك من الفساد العظيم، فما وقع الشرك إلا بسبب الغلو فيهم، فإن الشرك بهم غلو فيهم.
وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال:
(لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسّرُج) . رواه أبو داود (3436) والترمذي (320) وابن ماجه (1575)
ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ
اللعن: هو الإبعاد والطرد من رحمة الله.
في هذا الحديث يلعن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أصناف من الناس هم:
الصنف الأول: النساء اللاتي يزرن القبور، والعلة في ذلك: قيل: لما فيهن من الضعف المؤدي إلى الجزع والندب والنياحة
الصنف الثاني: المتخذي مواضع العبادة على القبور، لأن ذلك يؤدي إلى تعظيمها وبالتالي إلى عبادتها.
الصنف الثالث: المشعلين السرج عليها، لما في ذلك من إضاعة المال بدون فائدة، ولأنه يؤدي إلى تعظيمها المشابه لتعظيم أصحاب الأصنام لأصنامهم.
قوله (السرج) جمع سراج، توقد عليها السرج ليلًا ونهارًا تعظيمًا وغلوًا فيها.
المعنى الإجمالي للحديث:
يدعو - صلى الله عليه وسلم - باللعنة وهي الطردُ والإبعاد عن رحمة الله للنساء اللاتي يزرن القبور، لأن زيارتهن يترتب عليها مفاسد من النياحة والجزع وافتتان الرجال بهن، ولعن الذين يتخذون المقابر مواطن عبادة أو يضيؤونها بالسرج والقناديل، لأن هذا غلو فيها ومدعاة للشرك بأصحابها.
مناسبة الحديث للباب:
أن اتخاذ المساجد على القبور وإسراجها غلو فيها، فيؤدي بعد ذلك إلى عبادتها.
ما يستفاد من الحديث:
1 -تحريم زيارة القبور للنساء. (وسيأتي بسط المسألة)
2 -جواز لعن الفساق على سبيل العموم.
3 -أن الغلو في القبور من الكبائر.
4 -تحريم اتخاذ المساجد والسرج على القبور.
5 -من مقاصد الشريعة سد كل ما يؤدي إلى الشرك.
6 -تحريم إضاعة المال بدون فائدة.
7 -زائر القبور لا يخلو من أربع حالات:
الحالة الأولى: يدعو للأموات، فيسأل الله تعالى لهم المغفرة والرحمة، فهذه زيارة شرعية.
الحالة الثانية: أن يدعو الله تعالى لنفسه ولمن أحب عند القبور، أو عند صاحب قبر خاص، معتقدًا أن الدعاء في المقابر أو عند قبر الميت فلان، أنه أفضل وأقرب للإجابة من الدعاء في المساجد، فهذه بدعة منكرة.
الحالة الثالثة: أن يدعو الله تعالى متوسلًا بجاههم أو حقهم، فهذه بدعة محرمة.
الحالة الرابعة: أن لا يدعو الله، وإنما يدعو أصحاب القبور أو صاحب هذا القبر، فهذا شرك أكبر.
8 -مشروعية زيارة القبور للرجال، واتفقت المذاهب الأربعة على مشروعيتها، بل نقل النووي عن الطيبي الإجماع على استحباب زيارتها.
وقال ابن قدامة: " لا نعلم خلافًا في استحبابها ".
الأدلة:
1.عن بريدة بن الحصيب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) . رواه مسلم
وزاد الترمذي: (فإنها تذكر الآخرة) .
وزاد ابن ماجه من حديث ابن مسعود: (وتزهد في الدنيا) .
2.وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (إني نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها فيها عبرة، ولا تقولوا ما يسخط الرب) . رواه أحمد والحاكم