الصفحة 181 من 274

ويرى السلف أن معنى كون الفعل حسنًا أنه منشأ لمصلحة ، ومعنى كونه قبيحًا أنه منشأ للمفسدة ، وسبب لها وأنه لا يلزم من وجود السبب وجود مسببه ، إذ قد يكون ترتب المسبب على سببه مشروطًا بشرط ، وقد يوجد السبب ولا يوجد المسبب لوجود مانع ، ومن هنا قد يكون الفعل الواحد حسنا في نفسه في وقت لكونه منشأ للمصلحة في ذلك الوقت دون وقت آخر ، وقد يكون حسنًا بالنسبة لقوم دون آخرين وفي ذلك يقول ابن القيم: ( والتحقيق في هذا أن سبب العقاب قائم قبل البعثة ، ولكن لا يلزم من وجود سبب العذاب حصوله لأن هذا السبب قد نصب الله له شرطًا ، وهو بعثة الرسل وانتفاء التعذيب قبل البعثة هو الانتفاء شرطه لا لعدم سببه ومقتضيه وهذا فصل الخطاب ) وبهذا يتبين أن السلف وإن قالوا بالحسن والقبح الذاتيين فإنهم لا يرون ترتب العقاب على فعل القبيح أمرًا لازمًا ، وذلك لأن العقاب عندهم وإن كان سببه قائمًا إلا أنه مشروط بورود الشرع دفعًا للمعذرة ، فلا يعاقب إنسان بناء على مقتضى ما أدرك من قبيح قبل ورود الشرع من بالقبيح ، فلولا ورود الشرع بالعقاب لم يعاقب فاعل القبيح وإن كان مستحقًا للعقاب قال ابن كثير عند تفسير قوله تعالى { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } اخبار عن عدله تعالى وأنه لا يعذب أحدًا ألا بعد قيام الحجة عليه بارسال الرسول إليه كما قال تعالى: { كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتيكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير } إلى أن قال: إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى لا يدخل أحدًا النار إلا بعد إرسال الرسول إليه"فسبب العقاب قبل البعثة قائم وانتفاء المسبب لعدم وجود شرط العذاب وهو إرسال الرسول إقامة للحجة ، وقطعًا للعذر فلا يقبح العفو لأنه لا"

يستلزم كذبًا في الخبر بل غايته ترك حق الله تعالى قد وجب قبل البعثة وهذا حسن (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت