فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 667

وإن ظن الحبشي أن المنع من الاشتغال بعلم الكلام بسبب الألفاظ المحدثة، التي تستخدم في هذا العلم، كالجوهر والعرض والجائز والمحال، فهذا قول في غير موضعه، وإن كانت هذه الألفاظ تحمل في طياتها معاني موهمة، تؤدي أحيانًا إلى الضلال، ولكن سلف الأمة كرهوا علم الكلام وذموه، لأجل ما فيه من المعاني الباطلة، وفي هذا المعنى يقول ابن تيمية -رحمه الله-:"فالسلف والأئمة لم يكرهوا الكلام لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المولدة، كلفظ: الجوهر والعرض والجسم وغير ذلك، بل لأن المعاني التي يعبرون عنها بهذه العبارات فيها من الباطل المذموم، من الأدلة والأحكام ما يجب النهي عنه، لاشتمال هذه الألفاظ على معانٍ مجملة في النفي والإثبات…" (1)

ويستدل كثيرًا الحبشي وتلاميذه بهذه الأبيات من الشعر، ليدللوا على جواز الاشتغال بعلم الكلام:

عاب الكلام أناس لا عقول لهم ... وما عليه إذا عابوه من ضرر

ما ضر شمس الضحى في الأفق طالعة ... أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر (2)

وهذه الأبيات من الشعر ليست بدليل يستند عليه على جواز الاشتغال بعلم الكلام، إذ يوجد الكثير من أبيات الشعر تذم علم الكلام، ولإبطال حجة الحبشي، إليه هذه الأبيات المتفرقة التي أنشدها علماء الكلام ندمًا وتوبة على خوضهم في هذا العلم:- قول الرازي في ذمه لعلم الكلام:

نهاية إقدام العقول عِقال ... ... و غاية سعي العالمين ضلالُ

وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... ... و حاصل دنيانا أذى ووبال

ولم نستفد من بحثتا طول عمرنا ... ... سوى أن جمعنا فيه: قيل وقالوا (3)

وما أنشده الشهرستاني من شعر يبدي ندمه وحيرته:

لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... و سيرت طرفي بين تلك المعالم

(1) - مجموعة الفتاوى لابن تيمية 3/191.

(2) - إظهار العقيدة السنية للحبشي ص20.

(3) - شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص208، انظر: جلاء العينين للآلوسي ص136.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت