فهرس الكتاب
ويؤخذ على الحبشي تقصيره في إثبات وجود الله، من خلال عدم الإكثار من النصوص الشرعية التي جاءت في الكتاب والسنة، ولجوئه إلى أدلة المتكلمين التي لا تخلو من ممانعات في تقريرها، وصعوبة في فهمها، وبعدها عن الفطرة السليمة.
ويقال للحبشي: أتعبت نفسك في إثبات أمر فطري مغروز في نفوس البشر، وهو وجود الله، وفي هذا المعنى يقول ابن تيمية -رحمه الله-:"إن الإقرار بالخالق وكماله، يكون فطريًا ضروريًا في حق من سلمت فطرته" (1) ، وأيضًا يقول شارح الطحاوية:"لا شك أن الإقرار بالربوبية أمر فطري" (2) ، وإذا كان الإقرار بالخالق أمرًا فطريًا فهذا يعني أنه لا يحتاج إلى إقرار بوجوده من خلال أدلة عقلية فلسفية، وخاصة أنها تتميز بالصعوبة في الفهم والتعقيد في التركيب، وبالتالي يمكن الاستغناء عنها.
والحبشي خالف السلف في إثبات وجود الله، حيث جعل جُلّ اهتمامه على العقل من خلال مقدمات كلامية كثيرة الممانعات، بخلاف السلف الذين اثبتوا وجود الله من خلال النقل والفطرة والعقل، فعلى سبيل المثال لا الحصر، حُكي عن الإمام أبي حنيفة -رحمه الله-:"أن قومًا من أهل الكلام أرادوا البحث في تقرير توحيد الربوبية فقال لهم: أخبروني قبل أن نتكلم في هذه المسألة عن سفينة في دجلة تذهب فتمتلئ من الطعام والمتاع وغيره بنفسها، وتعود بنفسها فتترضى (3) بنفسها وترجع، كل ذلك من غير أن يدبرها أحد، فقالوا: هذا محال لا يمكن أبدًا، فقال لهم: إذا كان هذا محالًا في سفينة، فكيف في هذا العالم كله علوه و سفله ؟" (4)
(1) - مجموعة الفتاوى لابن تيمية 6/45.
(2) - شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص245.
(3) - تترضى: تلتصق بالشاطئ وتنضم إلى رصيفه. انظر: لسان العرب لابن منظور 2/1654-1655.
(4) - شرح الفقه الأكبر للقاري ص14-15. وانظر: شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص84-85.