فهرس الكتاب
... ومما يؤخذ على الحبشي في تعريفه للوحدانية، أنه استخدم ألفاظًا مبتدعة ليس لها أصل في الشرع مثل: التركيب والجسم والتأليف والجهة والتحيز وأشباه هذه الكلمات التي تحتمل معاني فاسدة، ولقد ناقش علماء السلف المتكلمين في استخدامهم أمثال هذه الألفاظ، فمثلًا لفظ الجسم لم يرد في الشرع ولم ينطق به الوحي إثباتًا أو نفيًا (1) ، ويبين هذا الأمر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- بقوله:"… بل أين في القرآن أن الجسم الاصطلاحي مركب من الجواهر الفردة التي لا تقبل الانقسام، أو من المادة والصورة، وأن كل جسم منقسم ليس بواحد؟ بل أين في القرآن، أو لغة العرب، أو أحد من الأمم أن كل ما يشار إليه أو كل ما له مقدار فهو جسم، وأن كل ما شاركه في ذلك فهو مثل في الحقيقة؛ ولفظ الجسم في القرآن مذكور في قوله تعالى: { وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ } [البقرة:247] ، وقد قال أهل اللغة: أن الجسم هو البدن… ومعلوم أن أهل الاصطلاح نقلوا لفظ (الجسم) من هذا المعنى الخاص إلى ما هو أعم منه، فسموا الهواء ولهيب النار وغير ذلك جسمًا، وهذا لا تسميه العرب جسمًا كما لا تسميه جسدًا ولا بدنًا، ثم قد يراد بالجسم الجسد نفسه القائم بنفسه، وقد يراد به غِلَظَهُ كما يقال لهذا الثوب جسم؛ وكذلك أهل العرف الاصطلاحي يريدون بالجسم تارة هذا، وتارة هذا، ويفرَقون بين الجسم التعليمي المجرد عن المحل الذي يسمى المادة والهيولي (2) ، وبين الجسم الطبيعي الموجود" (3) ، وبذلك يظهر الفساد المحتمل للفظة الجسم عندما تستخدم في حق الله سبحانه وتعالى.
(1) - انظر: مختصر الصواعق لابن القيم 1/130-132.
(2) - الهيولي: لفظ يوناني بمعنى الأصل والمادة. وفي الاصطلاح: هي جوهر في الجسم قابل لما يعرض لذلك الجسم من الاتصال والانفصال محل للصورتين الجسمية والنوعية. انظر: التعريفات للجرجاني ص287.
(3) - درء التعارض لابن تيمية 1/118-119.