فهرس الكتاب
... والسلف عندما أرادوا أن يعرفوا التوحيد، لم يعرفوه كما فعل الحبشي، وإن كان في تعريفه معانٍ صحيحةٌ، ولكن طريقته غريبة عن طريق السلف لأنه اتبع طريق المتكلمين لذلك عبر بألفاظ غريبة تحتمل اكثر من معنى، ذات مقدمات تحمل بين طياتها ممانعات عقلية، بخلاف منهج السلف حيث عرفوا التوحيد بألفاظ قريبة من الفهم لا تحتوي على ممانعات، غير منفرة للعقول قبل النفوس، فمثلًا الإمام أبو جعفر الطحاوي (1) يقول:"نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله أن الله واحد لا شريك له" (2) ، ويُعرّف صاحب (لوامع الأنوار) التوحيد بقوله:"التصديق بما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- من الخبر الدال على أن الله تعالى واحد في ألوهيته لا شريك له، والتصديق بذلك أن ينسبه إلى الصدق ومطابقة الواقع بالقلب واللسان معًا" (3) ويشرح هذا التعريف بقوله:"نعني بالتوحيد هنا الشرعي وهو إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته ذاتًا وصفاتًا وأفعالًا، فلا تقبل ذاته الانقسام بوجه ولا تشبه صفاته الصفات، ولا تنفك عن الذات ولا يدخل أفعاله الاشتراك" (4) ، وهنا تتجلى حقيقة التوحيد من حيث إفراده سبحانه وتعالى بالعبادة التي يُعبر عنها بتوحيد الألوهية، التي افتقدها تعريف الحبشي، ويضاف إلى ذلك أن أقسام التوحيد الثلاثة عند السلف قُصد بها تنزيه الله سبحانه وتعالى عن كل نقصٍ من خلال نفي ما
(1) - الإمام أبو جعفر الطحاوي: الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك، الأزدي، الحجري، المصري، الطحاوي، الحنفي، صاحب التصانيف من قرية طحا من أعمال مصر، مولده سنة 239هـ، توفي سنة 321هـ. انظر: سير الأعلام للذهبي 15/27-33، وفيات الأعيان لابن خلكان 1/71-72، تذكرة الحفاظ للذهبي 3/808-811، البداية والنهاية لابن كثير 11/174، شذرات الذهب لابن عماد 2/288.
(2) - شرح الطحاوية لابن أبي العز ص77.
(3) - لوامع الأنوار للسفاريني 1/57.
(4) - المصدر السابق 1/57.