فهرس الكتاب
ولكن المتكلمين لا يسلمون بخطأ أقوالهم وينافحون عنها بكل ما أوتوا من قوة جدل، فإن هؤلاء المتكلمين يعترضون على خصومهم من السلف بأن ألفاظهم مفهومة لهم كأهل صنعة يصطلحون فيما بينهم على ألفاظ يتفاهمون بها على مرادهم، فيناقشهم بذلك ابن تيمية -رحمه الله-، ويرد عليهم بقوله:"إن هؤلاء المعارضين إذا لم يخاطبوا بلغتهم، واصطلاحهم، فقد يقولون: إنا لا نفهم ما قيل لنا، أو أن المخاطب لنا والراد علينا لم يفهم قولنا، ويلبسون على الناس بأن الذي عنيناه بكلامنا، حق معلوم بالعقل أو بالذوق، ويقولون أيضًا:إنه موافق للشرع، إذا لم يظهروا مخالفة الشرع… وإذا خوطبوا بلغتهم واصطلاحهم -مع كونه ليس اللغة المعروفة التي نزل بها القرآن- فقد يفضي إلى مخالفة ألفاظ القرآن في الظاهر."
فإن هؤلاء عبروا عن المعاني التي أثبتها القرآن بعبارات أخرى ليست في القرآن، وربما جاءت في القرآن بمعنى آخر، فليست تلك العبارات مما أثبته القرآن، بل قد يكون معناها المعروف في لغة العرب التي نزل بها القرآن منتفيًا باطلًا، نفاه الشرع والعقل، وهم اصطلحوا بتلك العبارات على معانٍ غير معانيها في لغة العرب فتبقى إذا أطلقوا نفيها لم تدل في لغة العرب على باطل، ولكن تدل في اصطلاحهم الخاص على باطل، لمن خاطبهم بلغة العرب قالوا: إنه لم يفهم مرادنا، ومن خاطبهم باصطلاحهم أخذوا يظهرون عنه أنه قال: ما يخالف القرآن، وكان هذا من جهة كون تلك الألفاظ مجملة مشتبهة" (1) ، وهذه الألفاظ التي وردت بكثرة في كتابات الحبشي."
(1) - درء التعارض لابن تيمية 1/223.