فهرس الكتاب
... وبعد هذا العرض لموقف الأحباش من التقليد والاجتهاد يظهر التناقض واضحًا وجليًا، وهذا التناقض يعتبر سمة واضحة ومميزة في فكر الحبشي، لأنه ابتعد عن المعين الصافي الكتاب والسنة، فتارة ينهل من معين المتكلمين وأخرى من الفلاسفة وثالثة من الصوفيين، ويقوم بالمزج بين أفكار أولئك القوم، فتكون النتيجة الحتمية التناقض والتضارب في المعتقد به، فهنا يرى الحبشي أن من دون مرتبة الاجتهاد فعليه اتباع المجتهد (1) وهذا كلام حق، ثم يعود ويناقض نفسه عندما يخاطب العوام بألاّ يكونوا أسرى للتقليد الأعمى (2) ، ويتضح من أقوال الحبشي لكل ذي لُب، أنه يُجيّر هذه الأقوال لصالحه، بحيث يقصد بأن على الناس اتباع المجتهدين أمثاله، حتى لا يعارضوه فيما يقول، وعندما يجد خصومه مخالفين له، يدعو الناس بألا يكونوا أسرى للتقليد، وعليهم أن يعملوا عقولهم، وهذا واضح من خلال اجتهادات الحبشي التي خالف فيها سلف الأمة مثل: تأويله آيات وأحاديث الصفات (3) ، حيث يعتبر نفسه مجتهدًا، وعلى الناس إتباعه فيما يقوله أو ينقله عن الخلف، وأما إذا كان الأمر مع أنصار مخالفيه -كما سبق توضيح ذلك- سواء جماعات مثل: الوهابيين أو أفرادًا مثل: ابن تيمية، وغيره من العلماء العاملين القدامى والمعاصرين، فيناقض الحبشي نفسه، ويطلب منهم ترك التقليد وإعمال عقولهم.
(1) - انظر: إظهار العقيدة السنية للحبشي ص317.
(2) - انظر: بغية الطالب للحبشي ص32.
(3) - انظر: الصراط المستقيم للحبشي ص41-53، الشرح القويم للحبشي ص161-200.