أما الدلالة الأولى: فكتاب الله - عز وجل - حيث إن أول آية فيه هي: { بسم الله الرحمن الرحيم } ، وقد حكى الإجماع على أنها أول آي القرآن غير واحد من العلماء، ومن أولئك الإمام القرطبي ـ يرحمه الله ـ في: (( تفسيره ) ).
وأما الدلالة الثانية: فحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ومن ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يبدأ بالبسملة في أوائل كتبه للملوك وما إليهم ، ومن أمثلة ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم في: (( صحيحهما ) )من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وفيه أن النبي- صلى الله عليه وسلم - كتب إلى هرقل عظيم الروم كتابًا ابتدأه بـ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) من محمد بن عبدالله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم .
والثالثة: ما اصطلح عليه أهل العلم والذكر في كتاباتهم للعلوم ، خصوصًا عندما انقلب العلم صناعة ؛ فإنهم يبتدئون كتبهم في أوائلها بـ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، وقد حكى غير واحد من أهل العلم أن ذلك الصنيع هو ما اصطلح عليه الناس ، ومن أولئك الحافظ ابن حجر ـ يرحمه الله ـ كما في أول (( فتح الباري ) ).
فهذه الدلائل الثلاث أوجبت على المصنف وغيره ممن يكتب كتبًا في الشرع والتوحيد وما يتعلق بذلك أن يبدأ بـ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) .
ثم قال المصنف ـ يرحمه الله ـ ( اعلم ) من العلم ، والعلم يعرف بأنه: ( حكم الذهن الجازم الموافق أو المطابق للواقع ) ، فإذا حكم الإنسان حكمًا وجزم فيه على شيء ما وطابق هذا الحكم ما في الواقع فهذا هو المسمى بالعلم عند الناس .
مثال ذلك: رجل قال: زيد يأكل الأرز في غرفة البيت القصوى . فلما نُظِرَ وجد أن زيدًا على الحالة الموصوفة في كلام القائل آنفًا ، فطابق حكم الذهن عند هذا القائل واقع زيد الذي حكي حاله في المقالة السابقة ، هذا الصنيع هو المسمى بالعلم ، سُمي بالعلم: لأنه قد احتوى على قيود التعريف للعلم السابقة ، ومن ذلك: أنه حكم ، حيث حكم على زيد بشيئين: