الصفحة 110 من 291

"من قال لا إله إلاَّ الله دخل الجنَّة" (58) .

فقال أبو ذرٍّ -رضي الله عنه-:"وإن زنى وسرق"؟

فقال صلى الله عليه وسلم:"وإن زنى وسرق، رُغم أنف أبي ذرٍّ".

وهناك الجمُّ الغفير من الأقوال النَّبويَّة المباركة، التي تشهد لما ذهبنا إليه، من أصرحها ما كان عن أبي هريرة رضي الله عنه حين أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يبشر كلَّ من شهد أنَّه لا إله إلاَّ الله بالجنَّة (59) .

ثانيًا: أنَّ هذا حقٌّ للعباد على ربِّهم أوجبه على نفسه لهم، فضلًا منه وتكرُّمًا، لا يُستثنى منه إلاَّ من رغب بنفسه عنه، وهذا الرَّاغب بنفسه عنه، واحِدٌ من اثنين إمَّا جاحدٌ الشَّهادة، مستكبرٌ عن حقِّها، جاحدٌ له، وإمَّا جاحد بَعضه.

وهذا شيءٌ، والنَّاطق به -المصدِّق بها، الموقن بحقِّها- شيءٌ آخر.

وأين هذا من ذاك؟

فهذا الجاحد أوْثَقَ نفسَه بجحوده واستكباره فكيف نسوِّيه بمن لا يجحدها، ولا يستكبر عنها؛ وإن كان يعصي ربَّه بالعدول عن طاعته؟

يدل على هذا ما كان من قتالِ أبي بكر رضي الله عنه المرتدَّة من قبائل العرب، بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، وامتناعهم من تأدية الزَّكاة، إذ قد عدَّها حقًَّا كانوا يؤدّونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، أما وقد مات؛ فلم يبق هذا الحق قائمًا لأحد، فكان ذلك منهم جحودًا لهذه الفريضة من فرائض الإسلام.

وحتى لو كان امتناعهم من تأدية الزَّكاة ليس من جحودٍ لها لما كان يسع أبا بكر إلا أن يقاتلهم، لأن إجماع قبائل على مثل هذا الأمر -وإن كان من غير جحود- ينبىءُ عن خطر لا تحمد عاقبته في الأُمَّة، وبخاصَّة في ركن من أركان الإسلام، فلو تُرِكَ النَّاس فيه وشأنَهم لكان تفريطًا من الإمام، يُجرِّىءُ على سائر شرائع الإسلام، ثمَّ تكون فتنة لا تُقمَع ولا يُطفأ لها أُوارٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت