فهرس الكتاب
وبناءً على ذلك فيما تقدَّم، فإنَّ أحدًا من السَّلفيِّين لم يجرؤ على تكفير أحدٍ من الأُمَّة تكفيرًا اعتقاديًَّا، إلاَّ بصريح ما يُكفِّر، وليس يحتمل تأويلًا صارفًا يحمي الموصوف بوصف الكفر أو الظُّلم أو الفسوق من الكفر البواح، ذلكم أنَّ تكفير المُسلم الذي ينطق بالشهادتين ليس بالأمر السَّهل، لأنَّه إن سَلِمَ المُكفَّر من الكُفر البواح لسقوط الدَّليل المُستَدلِّ به على كفره؛ فإنَّ المُكفِّرَ سيبوءُ هو بالكفر، لقوله صلى الله عليه وسلم:"أيُّما رجل قال لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما" (55) .
ومن هنا كان حقًَّا على العالِم أن يتحرَّى أشدَّ التَّحرِّي، وأن يَستبين الأمر من كلِّ جوانبه، فإن وجَدَ ما يسعه بصرفِ الكفر -بما يكفِّر ظاهرًا- وإلاَّ قال به حين لا يجد بُدًا من القول بكفر هذا أو ذاك، وليس يجد ما يُعينه بالتَّأويل القريب أو البعيد على صرف الوصف بالكفر عمَّن ثبت له بأنَّه كافر بقول أو بفعل، ولا يكفي في ذلك صريح اللفظ، إلاَّ أن يكون اللَّفظ غير محتمل إلاَّ لِما صرَّح به ظاهر اللَّقظ.
والأدلَّة على هذا المذهب كثيرةٌ متظاهرةٌ متعاضدةٌ، منها:
أوَّلًا: قوله صلى الله عليه وسلم:"من قال: لا إله إلا الله، مخلصًا بها قلبه، أنجتهُ يومًا من دهره، أصابه قبل ذلك ما أصابه" (56) ، فهو صريح بأنَّ المَرءَ إذا نطق بالشَّهادة، وصدَّق بها قلبه، واعتقدها جازمًا، وآمن بحقِّها كلِّه؛ فهو مؤمن، وإن اجترح المعاصي كلَّها، ما ظهر منها ومَا بطن، ما لم يصاحبها جحود أو نكرانٌ لما هو معلومٌ من الدِّين بالضَّرورة، وهو من أهل الجنَّة، ولو بعد أن يمسَّه سوءُ العذاب، ويمكث فيه زمانًا، طال هذا الزَّمان أم قصُر.
وليس الانتفاع بـ"لا إله إلاَّ الله"إلاَّ دخول الجنَّة، يدلُّ على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"لقِّنوا موتاكم: لا إله إلاَّ الله؛ فإنَّه من كان آخر كلامه لا إله إلاَّ الله دخل الجنَّة" (57) .