فهرس الكتاب
بأقلِّ تفكير تُرْفَضُ هذه المساواةُ بين الاثنين، إذ هذا الثَّاني من الاثنين، وإن كان معطِّلًا ما أنزل الله، هو غير معتقدٍ أفضليَّة ما حكم به من غير ما أنزل الله، فهو بتعطيله هذا حكم ما أنزل الله، يوصف بأنَّه كافرٌ كفرًا عمليًَّا، أي هو مُشبهٌ بتعطيله الحكم بما أنزل الله فعلَ الكفَّار من أهل الكتاب.
وهذا -وإن كان لا يكفِّره ويخرجه من الملَّة- لا ينفي عنه الإثم العظيمَ والجُرمَ المُبين لتعطيله حكم الله وهو قادر عليه، فهو كبيرة الكبائر، وإثم الآثام، وذنب الذُّنوب، فهو بذلك يتحمَّل أوزار أمَّة مع أوزاره هو نفسه، أليس هذا بكافيه من غضب الله؟
وقد سئلَ حبرُ الأمَّة وترجمان القرآن، واللسان المُعْرِب عن معنى الوحي المنزَّل على محمَّد صلى الله عليه وسلم في الكتاب العظيم عَن معنى آيات سورة المائدة الثَّلاث، فقال:
"كفرٌ دون كفرٍ، وظلمٌ دون ظلمٍ، وفسقٌ دون فسقٍ (53) " (54) .
أي: إنَّ درجات الكفر والفسق والظٌّلم متفاوتةٌ متباينةٌ في تحمُّلها، فمنها الكفر المُخرج من الملَّة؛ المجاوز دائرة الإيمان، ومنها الكفر المُبقي على الموصوف به في دائرة الإيمان، وليس مجاوزًا به حدود الملَّة.
ومثلُ الكفرِ في هذا، الفِسق، والظُّلمُ.
فكيف لنا أن نحكم على مجتمع أهله مسلمون -أو جلُّهم مسلمون- بأنَّه مجتمع جاهليٌّ كافر؟!
يمكن القول: إنَّه مجتمعٌ جائرٌ عن المحجَّة، مائلٌ عن الصِّراط الأقوم، وأنَّه قد يُخشى على مجتمع هذا شأنه أن يتحوَّل -بالتَّدرُّج، والاعتياد- عن وصف الكفر أو الظُّلم أو الفسوق العملي، إلى وصفه بهذه الأوصاف وصفًا اعتقاديًَّا، وأنَّ ما يدرك الأميرَ من ذلك أشدُّ وأعظم وأكبر.